لا نتعجب من الحياة ومقاديرها وتقلباتها بقدر تعجبنا من أن القدر الشديد قد ينزل على اثنين، أحدهما يتقبل أقداره ويتجاوز أفكاره، أما الآخر فيرفض القدر والزمان والمكان. فيسبق الأول الثاني إلى تبدل الحال وتغير المكان، وتيسير الزمان. فسبحان الله.
لذا، في هذا المقال، سأدعك تتأمل في قاعدة عميقة جدًا من قواعد التعامل مع الأقدار، وهي:
ستقبل عليك بعض الأقدار التي لا بد أن تتقبلها برضا، مع رغبة صادقة في الانتقال، وفي المقابل، هناك بعض المفاهيم التي لا ينبغي لك أن تتقبلها أبدًا مهما اشتد عليك البلاء والتفت عليك الأحوال.
التقبل هنا يأتي في مواضع:
- أن تتقبل أنك في حياتك، أو في دائرتك القريبة أو المتوسطة، أو قد قابلت شخصًا أو مجموعة من الأشخاص تسببوا لك في أذى، أو ظلم، أو كانوا سببًا في إغلاق بعض أبواب الأرزاق في وجهك. تتقبل وجودهم، وتتقبل ما وقع عليك بسببهم. لكن التقبل هنا لا يعني أن تفتح لهم الباب من جديد، أو أن يكون لهم مكان في طريقك القادم، أو أن يبقى بينك وبينهم ود ووصال. لا، فالتقبل هنا يعني: الرضا بما نزل من الله من هذا القدر، والإيمان بإن ما وقع لم يكن إلا بإذنه سبحانه، وأنك مختبرًا في دنياك، فتقبل الأمر بروحٍ راضية أمام الله، لا بروحٍ ساخطة على قدره. (واعلم أن الله جل وعلا لا يكلفك المحبة بعد الأذى، ولا يكلفك دوام الود بعد الخصام، ولا يكلفك حتى دوام الثقة معهم بعد المكر والغدر. لا، الله لطيف بك، ويعلم ما وصلت إليه من حال).
- وتقبل وضعك الحالي إن فقدت شريكًا، أو مررت بانفصال أو طلاق، أو فقدت وظيفة، أو خسرت تجارة. فالتقبل هنا لا يعني الاستسلام، إنما أن تكون متهيئًا للمرحلة القادمة من حياتك، ولن يسهل عليك تقبل هذه المرحلة مالم تفهم الدروس التي حملتها لك تلك الخسارات. اسأل نفسك مرارًا: ماذا تعلمت؟ لعلك أصبحت أكثر بصيرة بالناس، أو أدركت أن الثقة لا تمنح إلا لمن يستحقها. والأجمل من ذلك كله أن تقول في نفسك: لقد تقربت إلى الله بعد هذه الخسارات، عندها تكون قد خرجت منها بوثيقة النضج والإدراك، وهذا لا يعطى لكل الناس.
- وتقبل أيضًا أنك قد تمر بسنوات من حياتك في ابتلاءٍ شديد، أو ضيقٍ في الرزق، أو انقطاعٍ عن الدراسة، أو غير ذلك من الظروف والأسباب. تقبل أن هذا كان جزءًا من قصتك، وتذكر أن كثيرًا من الناجحين في حياتهم في المناصب الكبيرة والعالية قد ذاقوا من كأس الحرمان، تأمل أنني قلت: ناجحين (لأن المناصب العالية قد تعطى لكثير من الناس، لكن قلة من ينجحون بالمهام ويبلغون الغايات)، لذلك تقبل الأمر بروحٍ طموحة، فإن كانت نفسك طموحة فإنك قد تبلغ روؤس الجبال.
أما التجاوز فيأتي في مواضع:
- تجاوز هذا المفهوم ولا تتقبله أبدًا مهما تكالبت عليك الشدائد والأقدار: أنك لن ترى الفرج، وأن حالك لن يتغير، وأنك ستبقى على ما أنت عليه إلى آخر الزمان، كلا، فالله سبحانه يقدر الخير والشر، ويقلب الأحوال كيف يشاء، وقدر الجزاء والثواب بالدنيا والآخرة، وعلمنا أن الدعاء من أسباب دفع البلاء، لذلك تجاوز هذا المفهوم في عقلك، ولا تسمح له أن يستقر في قلبك أو يجري على لسانك، وحتى لو كان من حولك جميعًا يرددونه ويستبعدون الفرج وتقلب الأحوال.
- تجاوز مفهوم أنك قدرك قد حبس في مكانك الحالي، لا، فالقدر بيد الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، ويعطي كيف يشاء ولمن يشاء، ويعطي ويمنع بحكمته وعدله. ومن أعظم القربات التي تتقرب بها إلى الله المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، ثم الإكثار من الدعاء. فإذا جمعت بينهما دون تأجيل أو تأخير، ولا حتى ملل مع قنوطٍ من الحال، فإن الأبواب قد تفتح لك دون مفاتيح.
- وتجاوز مفهوم، أن حياتك ستبقى مرتبطة بمن آذاك وظلمك. لا، فالله قادر على أن يرفع عنك البلاء، وكل شيء سيغير حولك، المكان والزمان، والرفقة، والظروف، وقد تصبح دائرتك القريبة في المستقبل زوجًا أو زوجة، أو ذرية تقر بها عينك، أو صحبة طيبة سيكونون معك وتعينك على الخير. ومن أكثر الرسائل التي تصلني من القراء: شكواهم من خوفهم أن يقضوا أعمارهم مع من ظلمهم أو آذاهم، اطمئنوا، وأحسنوا الظن بالله، وتمسكوا بالدعاء، وطب خاطرًا، وهو سبحانه أكرم من أن يخيب عبدًا صدق في اللجوء إليه.
لذلك، بعد هذا المقال، أوصيك أن تتقبل الأقدار، وأن تتجاوز المفاهيم، فإن فعلت ذلك فإن ما ستراه في حياتك سيتعجب منه من يراك، ويسمع أقوالك، ستكون في بحور من الطمأنينة، وسيكون لعقلك نضج مع حسن التدبير، وحتى صبرك وانتظار الفرج سيكون له طعم مع حكمة.
وتذكر هذه ولا تنساها مهما حييت: عندما ينزل الفرج ويتغير حالك، وتتذكر حالك السابق وشدتك مع الكرب، ستهون الذكرى عليك، ولن يرفضها عقلك لما وجدته من نصرٍ من الله وتأييد وتمكين، لكن لو تذكرت ذكرى جميلة لكنك فقدتها، فستتذكرها بمرارة مع غصةٍ في الحلق، ولربما دمعات، لذلك أقدارك الشديدة ستكون ذكرى ليست مؤلمة: لأن الله سيفرحك بالنصر والجبر والكثير من العوض.
برد الله قلوبكم، وجعلكم ممن يرون فرج الله ويسبتشرون بفضله وجود إحسانه وكرمه.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
