في قطار الأقدار ورحلاته ومحطاته، قد تستغرق رحلة البعض إلى أقدارٍ مكتوبةٍ قدَّرها الله لهم أزمنةً قصيرة، والبعض قد تستغرق رحلته عدة محطات حتى يصل إلى ما كتب الله له من طيب الأرزاق والهبات.
لكن البعض، وأثناء رحلة السعي والإصرار والمضي، تأتيهم خواطر وأفكار: لعل القطار الذي ركبت فيه لن يصل في الميعاد، أو لعله سيذهب إلى موقع آخر في المكان والزمان لم أخطط له ولم أتهيأ له.
والكثير تراهم وتعرفهم يرفضون المضي والتقدم في الحياة، أو حتى المخاطرة إن صح التعبير، لأن ليس لديهم أي ضمان أنهم سيذهبون إلى الوجهة التي يريدونها أو اختاروها.
وبعضهم يكون قد ركب القطار، لكن مع مرور السنوات وتوالي المحطات يقف ويستسلم بحجة أن الطريق ليس واضحًا، ولا يستطيع رؤية الوجوه.
وكم من شخص تعرفه يقول لك: أنا أمضي وأسعى وأتقدم، لكن لا أرى شيئًا، ولا حتى ضمانات أن ما أرجوه في الحياة سألقاه من هذا السعي. وحتى إذا وصلوا إلى هذه الخواطر تبدد الحماس من قلوبهم وخرج من عقولهم، وقد يكون اليأس قد دخل وتسلل من النوافذ دون أن يشعر به أحد.
في هذا المقال، سأشير عليك بأمور قد تكون مدركًا لها، لكن ما سيُكتب لك هنا هو مما يطمئن قلبك في وجهتك القادمة في الحياة. أما إذا كنت مترددًا في أمور كثيرة بحجة أنه ليس لديك ما تملك، ولا دعم ولا مدد، فكيف أخاطر بطريق أمضي فيه وحدي وأنا لا أرى النهايات؟ ولعل ما كُتب هنا هو جواب يدور في عقلك منذ سنوات.
أولًا:
اعلم أن جميع الناس، والمؤمنين خاصة، لا يملكون اتجاهات أقدارهم ولا حياتهم، ولا حتى موعد مماتهم، فلا يغرك أي أحد من الناس تجده يرتب الترتيبات بدقة بالغة، ويخطط في الأمور المالية بحرصٍ عالٍ، ويشعرك كأنه وُلد وهو يملك زمام أقداره وأموره، كلا.
المؤمن ليس بالمندهش ولا بالمتفاجئ من أقدار الله التي تتقلب بالقدر خيره وشره، مثلما علَّمنا الله أن الدنيا دار اختبار وليست دار قرار.
فتجد المؤمن يمضي ويخطط ويسعى ويحرص، ويعلم جيدًا أن الأمور بيد الله، وليست بمشيئته ولا بحرصه وشغفه كما يقال.
المعنى: امضِ في الحياة، واسعَ في ركوب المحطات، وأنت لا تهتم إن كانت الوجهة غير واضحة، أو كان الركاب غير مألوفين لديك، أو شعرت أنك قد تكون وحيدًا وليس معك إلا رفيق واحد. لا عليك، فكلما مضيت في الحياة وأنت تعلم أن من أسرارها أن المضي فيها والعمل ليس فيهما ضمانات، ولا وضوح في النجاح، ولا حتى بلوغ الغايات. هذه هي الحياة! فكيف تريد أن تعلم الغيب، ويكشف لك القدر عما يخبئه لك الغد؟
خواطرك التي تمر وتجوب داخل عقلك، جميع الناس، والمؤمنون منهم خاصة، مروا بها، وليس لأنك متردد، أو متأخر عن الأقران، كلا. الحياة ليست واضحة، نعم. كم شخص رتب لحياته العائلية، ثم توالت عليه الأقدار بطلاق أو خصام أو موت شريك الحياة. وكم من شخص درس وتعلم، ثم وافته المنية وهو يطلب العلم، ولم يبلغ المنصب ولا العمل الذي تعلم لأجله تلك السنوات.
وأيضًا كم شخص بارك الله في عمره، وهيأ له الشريك الصالح الحنون، وكانوا يتكابدون الحياة في تربية الأبناء، حتى بلغهم الله ما يريدون، وما تقر به أعينهم.
وكم من بعضهم بارك الله في مسعاهم وعلمهم، وجعل التمكين من نصيبهم حتى بلغهم أعلى المنازل والدرجات.
والأمثلة كثيرة، ولا نحصرها في بناء أسرة أو طلب علم، بل قد تكون في مال أو تجارة أو أمور أخرى هيأها الله لعباده بالحلال.
لذلك، فالمعنى من هذا كله: إن كانت الوجهة ليست واضحة، فهي كذلك، وليست صافية مثل صفاء العين، بل خُلقت الحياة بهذا الأمر وبهذه الترتيبات، فلا تطلب المحال وكشف الأقدار وأنت ما زلت في الأرض ولم تبلغ الجنان حتى الآن.
ثانيًا:
كلما كان نصيبك من الدعاء، وحسن الظن بالله، والمداومة على أن يكون الله هو الرقيب والمعين في كل أمورك، تباركت أمورك وتعاظمت. بل قد تكون تريد أن تتشارك مع شريك في التجارة، ويفتح الله عليكم، ثم يصيبكم خصام وفراق وخسارة كثير من الأموال، وأنت في وسط البلاء لا تقل: لماذا نزلت علي هذه النازلة وأنا لم أفعل ما يغضب الله؟
حتى تتوارى عليك السنوات، وقد يريك الله بعد سنوات أن خروجك منها كان خيرًا لك. ويريك الله بأقداره العظيمة المرتبة أنه قد يكون هيأ لك الخروج من هذه الشراكة حتى تبلغ منازل أعلى في التجارة والأرزاق، ولن تبلغها ما دام الشريك معك. ولا تعلم ما في القلوب، فإن الله يعلم ما تضمره النوايا والقلوب، لكننا لا نعلم.
لذلك المؤمن يعض على الحبال ويتمسك بها بقوة، لا بلين، ولا يترك باب الدعاء، ولا التوكل، ولا الاستعانة بالله. يعلم أن الغيب بعلم الله، وأنه لو كان شر يكاد له من خلفه، لأراد الله صرفه عنه وحفظه، بل ويكيد له وينصره، وهو قد يكون نائمًا على فراشه، ولا يعلم ماذا يدبر الله له من الأمور والأسباب لتكون في صالحه وتحفظه من كل شر ومكر.
نعم، الوجهة ليست واضحة، وهي كذلك على الجميع، وليس عليك وحدك. ومهما بلغ أحد من الحرص والتخطيط، ولكنه غافل عن الله، وعن الدعاء والرجاء لله وحده، فلن يأتيه إلا ما قدره الله له، والخوف أنه قد يكون حرصه شؤمًا عليه.
لكنك إذا استعنت بالله، حتى السبل تتيسر وتتسهل، وقد تحتاج سنوات عديدة لتبلغها، ولكن الله إذا كتب لك أمرًا خيرًا، يسر له أسبابه، وذلل لك معيقاته، وجعل كل الأمور تأتيك على خيول الأرزاق.
ونعم، اسمع خواطرك الأخيرة: ما زلت أسعى وأصر، وما زالت التعقيدات تحوطني بالصعوبات، وأنا على نفس الدعاء والرجاء والسؤال إلى الله؟
هذا ليس لأن ما تفعله خطأ، أو يحتاج منك إلى الكثير من التغييرات، كلا. هذا هو نصيب الابتلاء، ونصيب الاختبار في الدنيا، فنحن مختبرون بالشكر على النعمة إذا رزقنا، ومختبرون بالصبر على النازلة إذا وقعت، ومختبرون أيضًا على السعي الذي ليس له حلول ولا تسهيلات. لذلك عندما تجوب هذه الخواطر في عقلك، قل: هذا بمشيئة الله، وبإذنه، وإذا شاء يسر وسهل وكتبها دون تعقيدات.
أخيرًا: استشعر أن هذا جزء من الاختبار في الحياة، وأن الوجهة ليست واضحة، وأن الضباب كثيف في كل المحطات، ولا تعلم لو كانت محطة النصر والظفر، أم كانت مرارة وشرورًا. وأن السعي إذا لم يتسهل ولم يتيسر، فليس يعني أنك فعلت الخطأ أو فشلت في الخطط، كلا. هذا مكتوب ومقدر، وأنت مختبر به، فما دام الاختبار معروفًا ومعلومًا، فتأهب له بالجواب: أنك ما زلت في الدنيا، ولست مندهشًا من تقلبات الأيام.
كلما كنت متمسكًا بأبواب الله، وكان الدعاء يُسمع صداه داخل القلاع، وفي جميع المدن داخل عقلك، فإنك على الجادة الصحيحة، وما يخفيه الله لك من قرة عين وثواب في الدنيا والآخرة أعظم مما قد يُكتب في مقال.
نوره السبيعي
