مقدار الرفاهية التي تراها بين الأقران

٢ يوليو ٢٠٢٦
-1
مقدار الرفاهية التي تراها بين الأقران

عندما نتحدث عن الأقران، فإن الحديث قد يطول أكثر، فمنهم من تراه سبق أقرانه في إنجازات أو بلوغ غايات، والصعود في سلّم الحياة بسرعة، وكأنه لم يصبه كمد ولا نصب.


وهذا المقال لا يشير عليك بقاعدة الصعود، ولا حتى العيش في الحياة والالتفات إلى الأقران. إنما هذا الحديث لك، للرد على خواطرك التي لازمتك منذ أعوام. وأسأل الله أن يكون الجواب الكافي والشافي لخواطرك التي كانت تجوب عقلك دون حراس:


مقدار الرفاهية التي تراها بين الأقران ليس دليلًا على بلوغ الإنجازات، ولا حتى على النجاح. الرفاهية ليست دليل الفلاح. ولا تتخذ هذه القاعدة في حياتك، وخاصة في وقتنا الحالي، الذي لم يكن أي جيل سبقنا من القرون التي قبلنا قد عاصر ما نراه الآن ونتعايش معه في الصبح والمساء. كلما رأيت إنسانًا يعيش رفاهية مطلقة دون حدود، فإن الأقرب أن يتراجع بالتطور العقلي عن بقية الأقران، وهذه مسألة لو انتبهت إليها في عمرك، سواء كنت في العشرين، أو بلغت الثلاثين، أو حتى انتصفت الأربعين، فإن الأمور ستتضح لك دون ستار.


نعم، الإفراط في الرفاهية قد يؤدي إلى ضعف الدافعية وتأخر في اكتساب الخبرات، وتأخر في الإنجازات، ورحلة البحث والتعلم، وحتى التكسب والتجارة في كل الأزمان. وعندنا، فإن بلوغ الغايات والمناصب الرفيعة لا يختار الأكثر عيشًا في الرفاهية (حتى لو أخطأ البعض في الاختيار، فإن الفشل سينتهي في أسرع الأحوال)، بل يتم اختيار الأكثر خبرة، ومن يحمل التجارب في هذا المجال (ولا يهم نجاحه بقدر أنه خبير بالطريق).


قد يتوقع القارئ أننا نشير إلى الإنجازات التي يتنافس الأقران بها، ليس هذا هو الحال، بل نشير إلى أن أقوى إنجاز تقدمه لنفسك هو أن تصعد سلّم الحياة بنفسك. يقولون: أقوى وأشرس الأقران الذين ينجحون في الغايات هم من كانوا يبدأون دون أعوان ولا رؤوس من الدعم والمدد.

يبدأون لأنفسهم، لأن الله خلق لديهم عقلًا يفكر، ونفسًا تشتعل، وعروقًا تترقب ماذا بعد هذا الحال.

ليس المؤسف ما نراه من كثرة الملهيات والرفاهية في أيامنا هذه، بل في السابق كان المرء لديه وقت طويل للتفكر والحساب والصعود، حتى خوض التجارب، إلى أن يصل إلى نهاية الأربعين. أما الآن، فعبر هواتفنا نجد أعمارًا صغيرة تعيش بالرفاهية المطلقة التي لا نرى خلفها مسارًا من الإنجاز أو خلفية من التعلم، ونقول في أنفسنا: هل هذا الإنجاز؟


لذلك، الإحباط قد يصل إلى الجميع، وحتى أعمار الشباب في الغرب يحبطون وييأسون، وليس حصرًا علينا نحن الشباب المسلمين.

ولا نقول إن ما كتب هنا هو انتقاد لجيلنا أو لما جنت أقدامنا للوصول إليه، هذا المقال رسالة لك أنت. عندما اجتزت، وكان صعود السلّم لديك بطيئًا وبضع حركات في اليوم، تحاول ترميم الخطأ أو إعادة الصعود مرة أخرى، فليس ما تفعله يحتاج إلى تغيير الأساليب، بقدر أن ما تفعله هو عين الصواب.

وكيف لو كانت بعض الغايات هادفة وسامية، والله مؤيد لها، وميسر سبلها، ويرعانا من فوق سبع سماوات.

نعم، حركاتك البطيئة التي يظن من يمشي بقربك أنك لن تبلغ الغاية ولا الهدف والتمكين، هي التي توصلك بإذن الله إلى حال يرضيك، وحالٍ لا تتوقعه عيناك.


وعند حديثنا عن الخطأ والزلل في الصعود، سأقول لك قاعدة مهمة في حياتك:

لو كانت هناك لعبة، ولابد أن ترى عدة صور للمنازل، وقد تصل إلى خمسين صورة، ثم يجعلونك ترى البيت الصحيح لمدة ثانيتين على الأقل، ثم يعرضون لك جميع الصور أمامك، وتختار بناءً على ذاكرتك السابقة التي نظرت إليها قبل قليل، فما هو مقدار الخطأ الأول؟ الخطأ كبير، وستخطئ أكيد، حتى يعاد إليك الأمر، ويجعلونك ترى صورة البيت الصحيح للمدة نفسها، ثم يخفونها، ثم يجعلون الصورة الصحيحة مع بقية الخمسين. مع كل مرة ستحفظ شكل السقف، والفناء، ولون البيت، والزرع، والأشجار، وقد تصل إلى المرة الخامسة، وتختار الصورة الصحيحة وتنجح.

من هذه القاعدة لا بد أن تعي في الحياة أن الخطأ أثناء الصعود أو في رحلة التعلم (سواء كان تجارة، أو دراسة، أو تأسيس عائلة وزواج، إلخ)، لا بد أن يقع حتى يكشف لك ما لم يكن واضحًا في طريقك، ويقربك أكثر من الصواب مع التجربة.


لذلك، إذا هممت بنية الصعود، فآخر شيء تهتم به أو تخاف منه هو الخطأ، ليس لأنه سيصيبك بالإحباط واليأس، أو أنك لست أهلًا كفاية للبلوغ، أو حتى ليس لديك ذكاء أو حنكة، بقدر أن الخطأ سيخبرك بالجزء الصواب مما تريد، وما هو الجزء الصحيح، عكس ما تظن أو تشعر.

لذلك معيار الخطأ مطلوب، وهو أيضًا صحي جدًا، فإنك لو أصبت من المرة الأولى، فقد تكون إصابتك بالحظ أو بالشكل المفاجئ، ولو سُئلت لقلت: لا أعلم كيف حصل ذلك. بعكس الذي أخطأ، فإنه سيعلم جيدًا كيف هو الجواب الصحيح.


الخطأ هو الذي يرتب لك الأمر، ويشير عليك أن تضع بعض الاحتمالات على أطراف الطريق وتتركها؛ لأنها في السابق لم تفد، وقد يشير عليك إلى طرق مختصرة وذكية لبلوغ أهدافك وغاياتك.


وتذكر أن المقال لا يشير إلى أن بلوغ الهدف أو الغاية كي نتنافس مع الأقران، كلا. هو يشير لك أن كنت تنوي المضي في التعلم والعلم، وخوض علاقات ناجحة، لتأسيس كيان تجاري، أو حتى عائلة، أن تكون نتائجه ترضيك، ويطمئن قلبك أن لكل طريق نهاية، وفرحة بالإنجاز، والاطمئنان أنك وصلت إلى مكان تأمنه روحك، وتطمئن به نفسك، ويرتاح عقلك بعد عناء الطريق. هذا كله من الأمور النفسية الصحية الصحيحة، فالله خلقنا للبحث والتعلم، وحتى الخطأ والزلل ليسا دليلًا على أننا عجزنا عن الصعود.


لذلك، إذا كنت أنت في طريق، فامضِ ولا تلتفت إلى الرفاهية المطلقة التي يعيشها بعض الأقران. الحياة خلقنا الله، وأوجدنا لنمضي فيها، وأن العقل عندما يكون في سبات، دون إيجاد حلول، ولا غايات يتمنى الوصول إليها، ولا التقرب منها، فإنه يضطرب، ويرتبك، ويشعر أن الله لم يخلقه للعيش دون رقيب.


الرفاهية تبعدك عن الطاعات، وتقرب إليك الغفلات، وقد تكون سببًا للتأخر العقلي والفهمي لكثير من الناس. وتذكر كم شخصًا قابلته في مثل عمرك، لكن عندما تحدثت معه وجدته كالطفل الصغير.


لذلك أكمل، ولا يهمك إن كنت متأخرًا أو لم تبلغ الإنجاز حتى الآن. تذكر أنك ما زلت تحفظ أجزاء الصورة، وعقلك يتحرك، وهذا كله مفيد.

ولا تنس أثناء هذا الطريق، حتى لو استوحشت منه، فإن الله قريب مجيب، يسمع دعاءك ومناجاتك، ويسهل عليك كثيرًا من العقبات، أو الجزء العسير. وما أجملها من رحلة، وهنيئًا لك هذا المقام، وهذا النصيب.


أسأل الله أن يسهل لك المسار والصعود، وأن يجعل الغاية والهدف والطموح هو ما ينتظرك عند نهاية الطريق. والله قادر، ولا يعجزه شيء، وهو القوي المتين.



نوره السبيعي