ما غاب دعاؤك، ولا بقيَ بين الجدران، وما كان أمرك عظيمًا بين أبواب السماء. فلا تعجب إذًا ولا تندهش حينما تُقبل عليك خيول الأرزاق من كل صوبٍ وباب.
ولا تعلم، قد يكون عامك هذا أو بعده هو عام الحظوظ والهبات.
فالله حين يأذن لك، وتشاء مشيئته سبحانه جل وعلا، فلا يرده عنك حاسد، ولا يحجبه عنك قريب.
فالله أذن لك وشاء، وهيأ لك النصيب والخيرات.
ولأن المقال قد لا يكفيه كل الأبواب، لكن سأشير عليك بأمور قد تكون أنت تفعلها، ولكنك تتفكر أن لعل الدعاء لم يُجَب.
لكنك لا تعلم أنك قد تكون بلغت منازل عند الله جل وعلا، لأن ما يحمله القلب أثناء السؤال والدعاء من صدق وافتقار لله قد يكون سببًا في رفعة العبد وزيادة قربه من الله، وهو ما يحبه ويرضاه من عباده الأخيار، فتأمل معي هذا:
كما أن الدعاء هو من أعمدة التوحيد، ونحن مأمورون بالدعاء والسؤال إلى الله دون سواه.
بعض الناس يكونون ذوي أدب مع الله، وهم لا يعلمون أنهم بلغوا هذه المنازل، فإن قيل له: انظر، الباب مفتوح، ادخل واطلب ما تشاء، قال لك: لا أدخل حتى يأذن لي.
ومعنى ذلك أنه يدعو وينتظر مشيئة الله، وهو كمن وقف وينتظر أن يأذن الله، ومتأدب لا يقف من ملل، ولا يتأفف من الانتظار.
فالأدب مع الله حين الدعاء بطلب الرزق والهبات من المعاني العظيمة التي يحبها الله من عباده، ولعلك بلغت من ذلك منزلة لا تشعر بها.
فحين تتأخر الإجابات، فلم تشك يومًا أن الدعاء قد ضاع.
وحين تختار أمرًا، وترى الله قدَّر لك أمرًا آخر، علمت أن الخير فيما اختاره الله.
وترفع يديك إلى الله، ولا تشعر أنك الأفضل، ولا الأقدر على حمل المهمات، ولا أنك بلغت الذكاء مع الدهاء، بل تشعر أن قدرة الله عظيمة، فإنك قد تطلب المحال، لكن تعلم أن الله يجيب إذا شاء، وسيهيئ لك كل الأمور، ويدبر لك الأحوال كي تنال هذه الهبات.
وكلما تأخرت عامًا أحسنت الظن بربك، وقلت: لعل الله أراد أن يهيئني ويغير فيّ من الصفات.
والله سبحانه بحكمته قد يؤخر عن عبده بعض ما يسأله؛ لما يعلمه من حاله وما يصلحه، وقد يكون في الانتظار تربية وتهيئة لا يدركها العبد في حينها. فيصبر المؤمن ويرتفع في منازل الصبر، وصبره أول السنوات ليس كبعدها، وتجده تقرب إلى الله بالعبادات الكثيرة عبر السنوات. وكم من القراء عندما أرد عليهم بالرسائل، على استفساراتهم، أجد أحدهم يقول لي: بدأت صلاة الليل، وبعضهم يقول لي: لم أكن أبالي بالفرائض، وكنت أؤخرها دون قصد، لكن بعدها تغيرت وتحسنت، بل وتبدلت.
فالإنسان مع الانتظار يتهذب، ويتغير فيه الكثير من الصفات والطباع.
المعنى أكثر من ذلك:
كلما آمنت أشد الإيمان أن الله حينما يهيئ لك رزقًا ومنصبًا وتمكينًا ورزقًا وافرًا طيبًا حلالًا، تعلم أنه يحتاج بعضًا من الصفات التي يتسم بها الإنسان ليتحملها ولا يضيعها، وهي عطية من الرحمن تحتاج عناية ورعاية.
فتأخر الإجابة لا يعني الحرمان، فقد يكون في الانتظار أبواب من الخير والتربية والتهيئة التي قد لا تراها الآن.
والمراد من ذلك ليسهل لك باب التطبع بالطباع والصفات، كي يهيئ لك العقل والقلب معًا لتحمل هذه الهبات.
فسبحان الله على تدبيره وتهيئته لعبده، وكيف أنه إذا أراد لك الخير العظيم يسر لك التطبع بطباعه.
بعض الطباع قد تكون محاسن الأخلاق، تلبس رداءها وتتجمل بها، وبعضها قد تكون أعمالًا من القربات والعبادات.
وخيول الأرزاق عندما تُقبل عليك، فهي ليست خيلًا أو اثنتين ليسدا الحاجة والحال، لا.
إنما تُقدّر لك الحظوظ في كل الأبواب، ولا عيب ولا حرج إن كانت الهمة بالدنيا، فإن الهمة العالية بالدنيا المحمودة هي مرضاة الله، والترفع عن سفاسف الأمور والمحرمات.
فإن رفعت يديك إلى الله، وطلبت زينةً من الحياة الدنيا، وعزمت على مرضاة الله فيما يحبه ويرضاه، وهو يعلم صدقك، ويعلم ما يكنه صدرك ويكتبه عقلك، ورأى منك أنك ابتعدت عن أبواب المحرمات، فإنه يأذن لك ويستجيب بلطفه، وبكرمه، وجوده، وإحسانه، وخيره الذي لا ينفد.
لا تزهد بالدعاء وتطلب القليل، بل اطلب من الله الكثير دون التفصيل.
والانتظار حين تنزل الإجابات من غاية الأدب مع الله، وقد يكون سببًا في رفعة الدرجات، وليس معناه أنك محظور من السماء، بل لعل الأرزاق تحتاج إلى تغيير الطباع، فما تمر شهور أو سنوات حتى يتهيأ قلبك، ويصفو عقلك، وتشعر أن الحظوظ كأنها قد دقت الأبواب، فالله إذا شاء وقدر جعل قلبك يشعر به قبل أن تقر به عيناك.
وإذا كنت محسن الظن بالله، وكنت من أهله، فوالله لقد بلغت تمام الأرزاق والهبات.
فالعبد قد يكون قدره متعلقًا بحسن ظنه بربه، فإن يقشعر بدنه، ويخجل من الله لو أنه أساء الظن في بعض الأوقات.
وأعمالك مع الله، والقربات التي تقدمها، ليست هي عطاءً وأخذًا، إنما هي تنبع من أدب مع الله، فهو أمر بذلك، وأنت تلبي له بالدعاء والرجاء والصلاة.
ويطمئن قلبك أن الجزاء من جنس العمل، فإن الله يثيب العبد، وقد يأتيه عاجل الثواب وهو في وسط الشدة والابتلاء، وقبل أن ينزل عليه الفرج والأرزاق حتى.
لا حرج من حيائك من ربك، ومن قلة العمل والطاعة مع كثرة السؤال والدعاء، فتذكر أن نية العبد مع ربه أبلغ من عمله، فيطمئن القلب أن الله يقبل اليسير من العبادة، ويحب مداومة الأعمال دون ملل ولا يأس من الحال.
خيول أرزاقك ليست كمثل أرزاق الآخرين، فالله حين
يكتب لك الرزق ويشاء بحكمته وعلمه، فهو يعلم ما تتوق إليه نفسك، وترغب به عيناك، ويشتعل به عقلك، فهو يعلم ما في نفسك، فتطمئن أن الله سيعطيك حتى يرضيك.
وتذكر أن العمل بالعبادات لمرضاة الله لا يتنافى مع الهمة العالية بالدنيا، ولا يحجب عنك الأرزاق والعطايا، فشتان بين ما يحصله المرء من مكر وخداع، وبركة منزوعة، ونفاق، وبغض من الناس يكنونه له، وبين ما يعطيه الله من السماء، فهو مبارك، وينمو ويتكاثر عبر الأعوام، ورفعة، وعزة، وشأن، ونصيب مع تمكين.
اعلم جيدًا بمقدار تمسكك بالدعاء، وبين نظرتك إلى السماء: متى سيستجيب الدعاء.
وما كانت أفعالك هذه إلا غاية الأدب مع الله، فعلمت أن الرزق إن لم ينزل من السماء ويأذن له الرحمن، فلن يطيب لك البال.
وتمسك بهذه الصفة والطبع، ولا تتركها مهما حييت، فإن الانتظار والخجل من الله، وأنك تنتظر مشيئته وإذنه، هو من صفات عباده المؤمنين والمحسنين.
وقد يندرج مع هذا المقال موضوع عن السعي بالدنيا: اصنع الباب ولا تكسره.
في كتابي الجديد: أقدار الله تثبيت لا تشتيت، بإذن الله سأوفي هذا المعنى بالتفصيل.
وأعتذر عن التقصير في المقالات، فإنني أحاول أن أنهي الكتاب بما أعانني الله عليه وسهل لي أسبابه، والله هو المعين اللطيف الكريم.
نوره السبيعي
