عند التحدث عن التمكين ونيل الغايات والمناصب، يغيب على بعض الناس أنها قد تكون قريبةً للمؤمنين، وخاصةً لهم، لكن البعض قد يظن أنها ممنوعة أو محظورة أو أبوابٌ لا يحبها الله لعباده الصالحين، وليس كل الظنون تنتهي بالحقيقة، ولله الحمد.
لأن الله أعز المؤمن وكرمه، ورفع من شأنه وكرامته، وهيأ له سبل العيش في الدنيا والتعايش مع الناس، وفتح له أبواب الحلال بما يحبه الله ويرضاه.
لكن قد تتشابه بعض الأبواب على الناس، فيظنون أنها قد لا تُفتح لهم، وهي تهيأت وتجملت لأهل الدنيا والتحايل والمعرضين عن الله، ويراقبونها من بعيد، ولا يعلمون أنها إن فُتحت لهم فإنها تُفتح بأسهل المفاتيح، وتُسخر وتتيسر لهم دون حيلة ولا قوة، بل من مشيئة الله جل وعلا وأمره.
لذلك في هذه المقالة سأشير عليك ببعض النقاط، وقد تكون بعض الحقائق مرّة، أما الأخرى فهي قرة للعين ومسرة، فتأمل معي هذا - رعاك الله -:
قد يتبادر إلى أذهان البعض: لماذا تقفل بعض الأبواب عليّ وتغلق، وغيري تفتح لهم وتكتب؟
ولا يعلمون أن الله إذا قدر لعبده التمكين في دنياه، فإن أحواله قد لا تتشابه مع أحوال عامة الناس.
فتجد أن الله من بداية طريقه يرعاه ويهيئ له الأسباب لبلوغ هذه الغاية والتمكين، وقد تأتيه الشدائد والابتلاءات في بداية عمره كي تكشف له حقائق الناس، ويكون بصيرًا بهم ومتفرسًا في أحوالهم، وبعض المؤمنين الذين مكنهم الله ورفعهم كانوا في شبابهم تأتيهم الشدائد حتى يظن من حولهم أن أيديهم مربوطة من كثرة الأقفال والموانع.
ولا يعلمون أن الله يعلمه ويهذبه، ويخرج الأدران من قلبه، وبعضهم تكون في قلوبهم رقة، حتى تأتيهم بعض المحن وتجعل قلوبهم بعدها حازمة مع شدة.
كالعظام، فإن عظام الأطفال فيها رقة ولين، حتى إذا كبر بالعمر واشتد عوده ونضج، استقامت عظامه ورسخت. لذلك عندما يقويك الله بعد لين في قلبك ورقة في عاطفتك، ويجعلك ترى بعض الحقائق والشدائد في بداية عمرك، فليست لتكسرك كما تظن، بل لتجعلك راكزًا في أفعالك، وتعلم أن القلوب حولك ليست كلها صافية.
وعندما نتحدث عن التمكين ونيل المناصب، أي إننا نتحدث عن التعايش مع جميع فئات البشر، فلا تظن أن الله عندما يهيئ لك من أمرك أمرًا تناله في المستقبل، ويهيئك للمنصب وبلوغ الغاية، أن طريقك سيكون خاليًا من البشر، ولن تقابل فيه أصحاب النفوس الضعيفة والرديئة، كلا.
فالله يريد منك أن تقيم العدل، وتنصف بين الناس، وتجعل مما أعطاك من فضل هذا التمكين أن تعكسه على الناس بالإحسان والعطاء لهم.
وليس كما يظن البعض، وقد تقول: نرى أصحاب الغايات لا يظهر عليهم الإيمان ولا الخوف من الله؟ نعم، لأن الله لم يبارك طريقة بلوغه، ولم يكن هذا التمكين محمودًا في غايته، بل لأنه قد استجلبه بحيلة، أو بذكاء مع مكر، أو بخداع وغدر، أو حتى بالصعود على الأكتاف، وكل هذه الحيل لا تسمى تمكينًا خيرًا في ميزان الله.
التمكين أن الأبواب تُفتح لك، وأهل الصلاح حولك وخلفك، وترى أن الله يقدر لك الأمور، ويعلم بعلم الغيب أنك قادر على تجاوزها، حتى تصل إلى القمة، ولن تخاف من عدو، ولن يخذلك صديق. فالطريق أشبه بأنه معبد وممهد لك أن تصل إليه، وفيه الكثير من الأمان والحماية والرعاية الإلهية مما يعينك على بلوغ غايتك.
وحتى لو اشتد عليك أمرك وتقلب عليك حالك عندما يبلغك، فلن تخف من روع، ولن تطمئن بإنكار، لا.
تعلم أنك ما دمت مؤمنًا موحدًا لله، وراجيًا أن تتقبل القدر خيره وشره، وأن زادك الله خيرًا وفضلًا وتمكينًا، تؤمن أن كله [ بفضل الله، وأنزله الله، وبمنة الله، وبمشيئة الله ].
وكلها عقيدة توحيد لا بد أن تثمر داخل قلبك، وتجعل جذورها راسخة، وتعلم أنها لن تثمر إلا بالطاعة والقربات ولزوم الفرائض دون رياء ولا سمعة.
وقد يتفكر بعض الناس، ويقول: أنا لا أريد المنصب، ولا أريد بلوغ الغاية، وأنا راضٍ عما قدره الله لي وسخره.
نعم، قد يكون الإيمان بهذا صحيحًا ولبّ الحكمة، لكن نظرتنا إلى الغاية والتمكين فيها قصور، فتأمل معي هذا:
المؤمن لا بد أن يكون قويًا، ونفسه لا تريد إلا الصلاح والإصلاح، فإن كنت تريد بلوغ الغاية ونيل المنصب، وجعلت التوحيد في قلبك متجذرًا، وتؤمن أن الله إن أراد لك هذا كتبه وقدره، وإن أراد لك الصرف عنه والابتعاد عنه منع الباب عنك، فهو بكل الأحوال ليس متعلقًا بالغاية، بقدر إيمانه أن الله إذا أراد له بلوغها سيبلغه إياها، ولا يعجزه شيء.
لذلك تفكر بنفسك: هل تحدث نفسك بأمر تود بلوغه ونيله في الدنيا؟ إن كان نعم، فلا تعتقد أنه صعب المنال ولا مؤصد، بل الجأ إلى الله ليبلغك ما بعدها.
وإن كان محرمًا شرعًا، وفيه من الفتن والتحايل والبعد عن الله وكثرة الذنوب والمعاصي، وأنت ما زلت تحوم حوله، فإنك أذكى وأعقل من أن تدور حول حماه، بل اسأل الله أن يعوضك بما يرضيه، ولا تحدث نفسك أنه صعب أو محال أن يكون هناك عوض عن أمر، فالله هو الذي أوجد الكون كله من العدم، وهو الخالق البارئ المسخر، لذلك لا تعظم أمرًا والله خالقه ومدبر أمره.
لماذا نجد اثنين، وقد يكونان في نفس الأحوال والأقدار، وقد يكونان في نفس الإمكانيات ودرجات الذكاء والحنكة، فتجد أن أحدهما الله يمكنه ويوليه المنصب، ويقدر له أعلى المنازل المهيأة، والثاني لا يبلغ أمرًا أو قدرًا إلا بما سعى له؟
وقد تتعجب من الحقيقة، لكن درجة الإيمان وقوة التوحيد في قلوبهم تختلف. الله حينما يرى فيك، وفي داخلك، واعتقادك، وإيمانك الشديد، أنك لو وليت منصبًا أو قدرًا رفيعًا ستعمل على الإصلاح، وتعدل وتنصف ما دام الله معك حسيبًا ووكيلًا، فهو أيضًا يؤمن في داخله أنه لن يُولى بمنصب إلا إذا شاء الله وقدر وهيأ، ولا تهمه العوائق ولا ما خلفه من الشدائد.
أما الثاني فقد يتفكر في خبراته السابقة، ويعلم أنه يقدر أن يقنع ويفكر ثم ينفذ، فتجده يتفكر في أحواله المالية، ويخطط للسنوات المستقبلية، ولا عيب في هذا كله، وليس من الخطأ فعل ذلك، لكن التمكين الذي يقوم ركائزه على الخير والبركات ويكون محمودًا في ميزان الله، هو ما يكون لأهل الصلاح والإصلاح، ممن يعلمون أن الله هو المقدر والمعطي، وهو الرزاق ذو القوة المتين.
كلما عظم التوحيد في القلوب، تفتحت أبواب الخير والهبات والعطايا. لذلك يغيب عن الناس أن الدنيا تُفتح للجميع، نعم، والمال يأتي للمسلم والكافر، والأرزاق تُكتب للأجنة وهم في بطون أمهاتهم.
وهذا كله يشير إليك أن النعم قد تأتي لجميع فئات البشر، لكن هذا ليس دليل فلاح، ولا ربح في الدنيا، ولا كسب للآخرة.
فقد ترى تاجرًا مسلمًا، وتاجرًا كافرًا، الجميع يربحون، والصفقات تزيد، والمنازل تكبر، لكن المؤمن يزكي من أمواله، ويتصدق، وينفق مما قدر الله له من رزقه، ويخاف من الربا ومن غباره. وتراه يزوج المتعفف، ويسدد عن المتعسر، ويجمع الشمل، ويعدل بمن تحته. هذا تاجر، لكنه في ميزان الله قد مكنه وفتح له باب المال الجاري من حيث لا حول منه ولا قوة. وهو يؤمن أن الله مكنه ليؤدي دينه وفرضه، ومع ذلك رضي الله عنه وأرضاه، وأعزه، ورفع من شأنه، وأكرمه.
لذلك ليس كل من تراه من الكفار، أو من أهل الدنيا والتحايل، قد أعطاه الله من واسع فضله على وجه الكرامة، فقد يكون استدراجًا بالمعاصي، وقد يكون من أهل الفتنة.
لذلك لا تتحسر عليهم ولا تنظر إليهم، وعاهد الله عهودًا أنه إن مكنك الله وأعطاك من خيره وفضله، أن تكون من أهل الصلاح وأهل الإصلاح.
وقد يقول البعض: لا أريد هذه الأبواب كلها، وجل ما أتمناه أن أكون وحدي أتعبد الله وأطيعه، وأعتزل مخالطة الناس وشرورهم.
لكن هذا ليس بمنزلة عالية قدرها الله لعباده المؤمنين. نعم، ازهد بما عند الناس، ولكن ليس بما عند الله، فالمؤمن إذا تولى ونال الغاية أصلح، وسدد الخلل، وجبر الكسر، وساعد الضعيف، وسأل الله أن يسخر له من صالحي الأرض من يعينونه على البذل.
إذن لا تهتم بالشدائد التي مرت في شبابك، ولا بقوة ابتلائك، وكيف أن طريقك كان صعبًا ضيقًا، وكانت الأمور تظن أنها بعيدة المنال عنك أو لم تُكتب.
الله إذا أراد لك الخير سهله ويسره لك، ورفع من قدرك وشأنك، وكلما مررت بشيء سابقًا فلا تقل: لماذا؟ بل قل: الله أعلم لماذا كُتبت لي هذه الشدة، لعلي لا بد أن أتعلم منها وأفهم كي أتهذب.
فكم من محنة وشدة تظن أنها تذيبك، وما كانت إلا لتخرج منك درسًا واحدًا، وهذا الدرس كفيل أن يخرجك من هذه الحياة الدنيا بالكنوز والعطايا وبلوغ الغايات والمناصب:
أن يكون التوحيد عظيمًا في صدرك، وأن تؤمن أن الأقدار مكتوبة في الحياة الدنيا، بالخير أو الشر، وأن الله كلما رأى منك صدق النية في الإصلاح، ومساعدة الناس، والإحسان بالعمل، أعطاك عطية ثقيلة لا تُقاس في ميزان أهل الدنيا، لأنها ثقيلة برضا الله ورضوانه، وإعانته وتسديده لك، مع عطايا وهبات حلال مباركة من خير الدنيا والآخرة.
وقد يقول بعض الناس: إن البلاء والشدائد مرت في طريق شبابي، وما كنت أهتم ببلوغ الغايات ولا المناصب، وهل كل الشدائد تُكتب لأجل أن نصل لهذا، ونحن في دواخلنا لا نريد الغاية، وجل ما نتمناه أن نعيش في سلام وهناء بعد كل ما رأيناه في الحياة؟
ومن قال إن الإنسان يختار قدره؟ وحتى المؤمن لا يختار قدره ولا حاله، والله هو الذي يقدر الأمور ويكتبها بمشيئته وتقديره وحكمه.
نعم، قد تتوق نفسك إلى قدر أو منصب، لكن المؤمن الحقيقي يقول: لو قدر الله لي هذا فالحمد لله، وسأسعى ما دام الله معي.
وقد يرى المؤمن الآخر أن الأبواب تُغلق عليه وتُمنع، ويقول: لعل الله أراد لي بهذا منزلة وقدرًا أرفع.
[ فهو دائمًا يتفكر في أمر الله، ولا يتفكر في نفسه أو حتى فيما يريد ]، لأن كل هوى إذا كان متبعًا فإن الفساد والظلم يكثران بين البشر، لأن كل أحد يريد نيله بحيلة أو بقوة أو حتى بخداع.
لكن المؤمن تجده يقف عند أبواب الدنيا، لا يعترض، ولا يتراجع، ولا حتى يضعف، فهو متأدب مع الله ومتعبد له.
وإذا أراد الله لك قدرًا رفيعًا في الدنيا، فلا يقول: ومن أنا؟ بل يقول: الله قدره لي، ويسأل الله في جميع سنوات حياته أن ينصره، ويبلغه، ويرضى عنه.
وأخيرًا، تذكر أن بعض المؤمنين تأتيهم خواطر بين الحين والآخر، يقولون: لا أريد البلوغ في هذه الغايات، وأخاف أن أنغمس في الدنيا وأنسى الآخرة.
لكن في الحقيقة، المؤمن لا يتوقف عن تصحيح النية، ولا يتوقف عن مراجعة أفعاله وذنوبه، فهو فعل يتخذ منه منهجًا وأداة في كل ليلة، لا يخرج من عمل ويدخل في عمل إلا ويراجع نيته وإخلاصه لله، وكلما كان هذا الفعل يفعله يوميًا دون ملل ولا كلل، فإن الله يعينه ويسدده، ويجعل من أمره خيرًا عظيمًا له، فلا يظن بذلك أن يزهد بالأمر بحجة أنه سيتكل على نفسه في العمل، فالمؤمن لا يتكل على نفسه ولا على عقله، بل يكون عابدًا متوكلًا على الله في جميع أموره، وهذا الإيمان الشديد الذي يوقر في القلب يجعل الإيمان يزيد، ونرجو له ألا يختل ولا ينقص.
نوره السبيعي
