القلوب تُبنى، قبل الأبواب.

٩ يوليو ٢٠٢٦
-1
القلوب تُبنى، قبل الأبواب.
1

قد يمر المؤمن بمرحلة يكثر فيها الدعاء، ويجتهد في الأخذ بالأسباب، ويصبر، ثم لا يرى ما كان ينتظره قد جاء بعد. وفي مثل هذه الأيام، قد يظن أن مهمته هي الانتظار فقط، حتى يكتب الله له الفرج. لكن لعل أعظم ما يحدث في هذه المرحلة ليس ما تنتظره في آخر الطريق، ولكن ما يبنيه الله في قلبك وأنت تمضي إليه. تمامًا كما يقضي الطالب سنوات في الجامعة، يدرس، ويختبر، ويتعب، وليس لأن الغاية أن يتأخر عن الحياة، وإنما لأن هذه السنوات تبني فيه علمًا، وخبرة، وشخصية تؤهله لما بعدها. ثم تأتي الشهادة في النهاية، لكنها ليست أعظم ما خرج به، وإنما ثمرة لما تكوّن فيه خلال تلك السنوات.


وكذلك المؤمن في طريقه إلى الله. فقد يكون أكثر ما يبنيه الله في هذه المرحلة ليس ما حوله، وإنما ما في قلبه. يبدأ الطريق وهو يظن أن الأسباب وحدها تكفي، ثم يتعلم مع الأيام أن قلبه لا يطمئن إلا بالله. ويبدأ وهو يستعجل النتائج، ثم يعلمه الانتظار أن لكل شيء وقتًا يقدره الله بحكمته. ويبدأ وهو يحكم على الناس من ظاهرهم، ثم تكشف له الأيام طبائعهم، فيصبح أكثر بصيرة، وأقل اندفاعًا، وأعرف بمن يأتمنه ومن يحسن أن يبتعد عنه. ثم يلتفت إلى نفسه، فيكتشف أشياء لم يكن يراها من قبل. يرى مواضع ضعفه، ويعرف ما الذي يقطعه عن الله، وما الذي يقربه إليه، ويتعلم كيف يجاهد نفسه، وكيف يصبر، وكيف يقدم رضا الله على ما تهواه نفسه. ومع مرور الأيام، لا تتغير ظروفه وحدها، ولكن تتغير طريقته في التفكير، ونظرته للحياة، وتعاملُه مع الناس، ويصبح أكثر اتزانًا في قراراته.


ولذلك قد ينظر الإنسان بعد سنوات إلى مرحلة ظنها يومًا مجرد تأخر، ثم يدرك أنها كانت من أكثر مراحل حياته أثرًا. فلو جاءه ما كان يتمناه قبل ذلك، ربما لم يكن مستعدًا له كما ينبغي، أما بعد ما مر به، فقد أصبح أقدر على حمل النعمة، وأعرف بحق الله فيها، وأكثر شكرًا لها، وأقل تعلقًا بها. ومن هنا، لا تجعل كل تأخر تفسره على أنه منع، ولا تجعل كل أمنية لم تتحقق دليلًا على أن الطريق قد أُغلق. ولكن استمر في الدعاء، وأكثر من الاستغفار، واجتهد في إصلاح نفسك، وأحسن الظن بربك. فالمؤمن لا يقف عند ما تأخر عنه، وإنما ينظر أيضًا إلى ما يبنيه الله فيه خلال هذا الطريق.


سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟