عندما يهدأ الجسد، يشتعل العقل

٣٠ يونيو ٢٠٢٦
-1
عندما يهدأ الجسد، يشتعل العقل

ليست كل فترة تشعر فيها بالوحدة علامة على أن الحياة تسير ضدك، ولا كل عزلة تعني أنك تأخرت عن الآخرين، أو أنك شخص يصعب فهمه، أو أن فيك نقصًا لا يراه غيرك. أحيانًا ينظر الإنسان إلى هذه المرحلة وكأنها فراغ يجب أن يهرب منه بأسرع ما يمكن، بينما قد تكون في حقيقتها مرحلة يهيئ الله فيها قلبك لما هو خير لك. لأن حين يقل الضجيج من حولك، وتخف الانشغالات التي كانت تملأ أيامك، تبدأ ترى نفسك بوضوح أكبر. تكتشف أفكارًا لم تكن تنتبه لها، وتراجع قرارات كنت تمضي فيها دون تأمل، وتلتفت إلى أشياء كان يخفيها عنك انشغال الحياة. وربما تراودك في هذه المرحلة أفكار توحي لك أن حياتك توقفت، أو أن الجميع يسبقونك، أو أنك تأخرت عن الطريق. فإذا وجدت شيئًا من ذلك، فلا تجعل هذه الأفكار تفسر لك ما يقدره الله، بل قابلها بحسن الظن به. أنك أنت في مرحلة مختلفة، مرحلة يعيد الله فيها ترتيب قلبك، ويهيئك لما هو قادم، ولكل إنسان رحلة يقدرها الله له، ولكل مرحلة أثرها الذي لا يظهر إلا بعد أن تمضي.


أيضاً قد تكون هذه الأيام فرصة لمراجعة الغاية التي تعيش من أجلها. فالحياة المزدحمة كثيرًا ما تجعل الإنسان ينشغل بالأحداث، وينسى الاتجاه الذي يسير إليه. أما حين تهدأ الأيام، يصبح القلب أقدر على أن يسأل نفسه: إلى أين أمضي؟ وما الذي أريد أن ألقى الله به؟ وما الذي يستحق أن يشغل عمري حقًا؟ وكثير من التحولات الصادقة تبدأ من هذه الأسئلة، لا من كثرة الانشغال.


وإذا كنت قد دعوت الله طويلًا، وصبرت، وأخذت بالأسباب، فلا تدع اليأس يفسد عليك هذه المرحلة. بل أحسن الظن بربك، وارجوا أن يكون هذا الهدوء الذي تعيشه اليوم تهيئةً لما تنتظره من فضله. فربما احتاج القلب إلى شيء من السكون قبل أن يستقبل عطايا الله، واحتاجت النفس إلى أن تهدأ، حتى تستقبل الفرج وهي أقرب إلى الله، وأكثر قدرة على شكر نعمه.


ولذلك لا تجعل هذه المرحلة مجرد أيام تنتظر انقضاءها، وإنما اجعلها من أكثر أيام حياتك قربًا من الله. فإذا وجدت نفسك في فترة هدأت فيها الحياة من حولك، وقل فيها من يشاركك أيامك، فاغتنم هذا الهدوء فيما ينفعك. أكثر من الدعاء، وأطل السجود، وأكثر من ذكر الله، واجعل للقرآن نصيبًا ثابتًا من يومك. فالعبد لا يدري أي دعوة يجعلها الله سببًا في تيسير أمره، ولا أي عمل صالح يدفع الله به عنه بلاءً، ولا أي سجدة يفتح الله له بعدها بابًا من الخير لم يكن يتوقعه. فقد تنتهي هذه المرحلة كما انتهت مراحل كثيرة قبلها، لكن الذي يبقى هو القلب الذي خرج منها. فإن خرجت منها وأنت أقرب إلى الله، وأكثر تعلقًا به، وأحسن ظنًا بتدبيره، فقد خرجت بأعظم مما كنت تنتظر. وربما تكتشف بعد زمن أن الأيام التي ظننتها فراغًا في حياتك، كانت من أكثر الأيام نفعاً لك.


سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟