عند شدة الأقدار تتعالى الأصوات حولك، ومهمتك ليست تجاهلها، ولا أن تُكبر أذنيك لها، ولا أن تجعلها سيدةً في مجلس عقلك.
وفي الابتلاء هناك صوت مسموع، له السمع والخضوع. وصوت ممنوع سيجعلك موجوعًا مع كثرة الدموع. وما عليك إلا أن تكون واعيًا وشديد الانتباه لهما.
فإن حالهما كحال الغريب على الهاتف، فإن تحدث معك فلن تعلم خيره من شره. وإن كلمك الصديق فستعرفه من لحن صوته وعمق حرفه، حتى قبل أن ينهي السلام مع الترحيب.
لذلك في هذا المقال سأشير إليك إلى بعض الأصوات، وإن كنت مدركًا لها وتعلم نفعها أو مضرتها، فاطمئن وطب خاطرًا أن ما تفعله هو الصواب وما عليك. أما إن كانت الأصوات تتشابه عليك، فتمعن في هذه النقاط - رعاك الله -:
الصوت الممنوع:
سماع صوتك وأنت تشتكي لمن حولك، للقريب أو البعيد. قد تكون مأجورًا على صبرك على الابتلاء، وحتى لا تُلام عندما تتحدث به مع ألمٍ وحرقة. لكنك كأنك رضيت بمنزلةٍ أدنى من المنزلة ذات الثواب الكبير من الله، فقد تكون هناك منزلة أعلى في الصبر على البلاء، وهي أن يصبر المرء دون شكوى ولا إفصاحٍ عنه. وتذكر أن الله دائمًا يثيب على العمل من جنس العمل. فإن جاهدت نفسك ألا تبوح بهذا الابتلاء لكل من حولك، فإن نرجو أن يرزقك الله من آثار ذلك سترًا وقوةً وثباتً.
المعنى:
البعض حين الابتلاء يشعر أن آثار حزنه العميق تبان على ثنايا وجهه، فيبتعد عن الناس أثناء المحنة، ويتجنب المجالس واللقاءات، وكلها والله أمور لا يكلفك الله بها ما دمت متوجعًا وتتألم.
لكن إذا لزمت الصمت عن هذا الابتلاء، ولم يعلم أحد بتوجعك ولا حتى بابتلائك، فالله سيثيبك أمورًا لم تكن تعتقد أنك قادر على الوصول إليها. ومنها الأجور الكثيرة والمثوبة العالية، وحتى حين ينزل عليك الفرج ستكون الهبات والعطايا أكبر حجمًا وأعظم قيمةً ممن كانوا كثيري الشكوى والسخط على كل من حولهم.
ومنها أمور خفية قد لا تدركها الآن، لكنك ستعلم أن صمتك زادك قوةً وهيبةً وصبرًا مع جلادة، وكلها أخلاق عالية يهبها الله لعباده الصابرين. وحتى من الجانب الاجتماعي، فإن الله يريد حين ينزل عليك الفرج أن تكون في أقوى صورة، وكأنك خُلقت لأجل هذا النجاح وهذه الغاية، وأتوقع هنا أنك قد فهمت المقصد.
أيضًا الصوت الممنوع: سماع خواطر الشيطان. وأغلب الناس يعتقدون أن سلطان الشيطان على القلب قوي، ولا يعلمون أن كيده في الأصل ضعيف. فجل ما قد تسمعه خواطر تزيدك حزنًا أو تذكيرًا لك بأحداثٍ قد مرت.
لذلك مهمتك ألا تجعله في صدر مجلسك. وقد يكون من الصعب فعل ذلك، فإن الخواطر إن دخلت فهي تجري، فلن تستطيع اللحاق بها أو إغلاق أذنيك عنها.
لكن الله لم يخلقنا إلا وأوجد لنا الأصول والحلول لكل ما قد يواجهنا في رحلة الابتلاء والشدة.
أولها كثرة التهليل والذكر والاستعاذة. فإن بدأت الخواطر، وسمعت قرع نعليها، فابدأ التهليل وارفع صوتك، حتى لو شعر من قربك أنه يسمع حركة لسانك. كثرة التهليل تبدد خواطر الشيطان وتقلل مداخله.
لكن بعض الناس ما إن تبدأ الخواطر حتى يصغي لها وينسى نفسه، ويقضي الوقت كله وقد ذرفت دموعه أو يشعر بضيقٍ شديد داخل صدره. وهو دائمًا على نفس المنوال: يذكره بمن قهره أو ظلمه، أو يذكره بأحداثٍ لم تنتهِ، ويعيد له الأقوال والمشاهد بحرقة.
والمصيبة الكبرى هي شدة سطوته على عقلك إذا كان يحبطك ويقول لك: الفرج لن تراه، وليس من حالك أن تنال النجاة. انظر كيف تعقدت الأمور، واستحالت الأعمال، وأُوصدت الأبواب.
لذلك أنت أعقل من أن تجعل هذا الصدى يجوب في عقلك، فارفضه ولا تدع له سبيلًا ولا مداخل إلى قلبك.
وقد تشعر بالمبالغة، وأن الإنسان جُبل على سماع هذه الخواطر بين الحين والآخر. لكن مع الذكر والتهليل، ومع إيمانك الشديد بأنها قد تثبط من عزمك وصبرك، سيخف صوته حتى يتلاشى، ثم تنشغل وتنسى. وهذا أمر مشهور ومجرب عند كثير من المؤمنين.
أيضًا حالات النضج والإدراك لن تكون في كل الأوقات، فالابتلاء أساسه أن الأمور تصبح معقدة، والأوضاع في ظلمة، ثم تأتي نوبة من الغضب الشديد أو الحزن العميق، حتى يشعر المرء أنه يود الموت والخلاص، وصدى صوته يقول: لا أريد الفرج، ولا أريد الحياة.
هنا ما تشعر به قد شعر به كثير من الناس. وحتى فيما كنت أقضيه في الرد على رسائل القراء، إلا وأجد هذه الكلمات تُكتب بين السطور. وليس ذلك إلا لأن الأمر قد وصل إلى أعلى مراحله، ولا يُلامون، فالأمر عندهم شديد الظلمة. لكن عليك بعدةٍ وعتادٍ وسراجٍ من نور لا ينطفئان حينما تأتيك هذه العتمة:
الرسول ﷺ أرشدنا إلى دعاء الكرب:
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم.
احفظه، وكرره وأنت في وسط الظلمة حتى تتبدد الخواطر ويخف الثقل على قلبك.
واعلم أن الفرج حينما تذوقه وينزل عليك، وترى عجائب تدبير الله والكنوز من خزائنه، ليس حالًا مجربًا ولا واقعًا قد مررت به في سنواتٍ قد فاتت، لا.
سيتغير الكثير، وسينقلب حالك، وتشعر كأن الروح قد تجددت. وحتى الماضي لم يعد يهمك، أو حتى ما أصابك ممن آذاك وظلمك لم يعد إلا صغيرًا في قدرك وأسيرًا عندك. فسبحان الله كيف رفع الله قدرك وأعز شأنك.
فلا تزهد في الفرج مهما أظلمت طرقك، فإن الدعاء كالجنود من حولك، يحمونك ويتأهبون ويسرعون، وهم يصدون تلك الهجمات التي قطعت قلبك وأنت في وسط معركتك.
ووددت أن أكمل في هذا الموضوع، لكن لا أريد أن أطيل عليكم، وسأكمل أكثر غدًا [ لأن ما زالت هناك أصوات لا بد أن تُحجب ].
وما زالت رسائلكم تصل إلي وتسعدني، وأنا والله بها أسعد. وأنا الآن في طور كتابة كتاب: أقدار الله تثبيت لا تشتيت. منها رسائل للقراء، ومنها ما كان يتكرر عليّ من الأقدار نفسها، وكأن بعضهم يعيشون الأحوال ذاتها. وسأشارك معكم في هذا الكتاب الحلول التي قدمتها لهم، لعل ما كتبته لبعضهم يفيد مع الزمن ويفيد البقية.
وأنا والله كل ما كتبته اجتهاد، والله أعلم، وإنني أرجو من الله كثيرًا أن يعينني على الإفادة والتفصيل لكم. والله هو العليم الخبير الحكيم، سبحانه، إليه نرجو، وفي ذكره يطيب لنا الطريق.
نوره السبيعي
