في حياتك سترى فريقين من الناس: فريقًا يشعر أن أقداره متأخرة، وكأن الليلة التي وزعت فيها الأرزاق كان غائبًا عنها، وفريقًا آخر يظن أن أقداره المتقدمة قد حجبت عن الآخرين أرزاقهم. وليس بين هذا وذاك عدل أو حكمة في نظرهم.
وفهمك للأقدار التي بيد الله لابد أن يجعلك بعيدًا عن الفريقين، فلا يهمك تعداد السنين، ولا أن تشعر أنك تقدمت على أقرانك وأنك نزعت الأرزاق من بين أيديهم. لا.
وفي هذا المقال أود أن أدعوك إلى التأمل في حكمة الله عز وجل، إذ تأتيني رسائل عديدة من القراء، منهم من يشعر أنه (تأخر في الزواج- أو لم يرزق بالإنجاب - أو لم يحظَ بوظيفة).
وتأتيني رسائل أخرى من أناسٍ تقدمت أقدارهم، ثم يتساءلون: لماذا ذهبت مني؟ ولماذا صب عليّ كأس النعمة ثم انكسر أثناء شربي منه؟ من (طلاق، أو فقد وظيفة، أو فقد شخص عزيز). وبعضهم يقول: لماذا عندما ذهبت النعم مني، فتحت لغيري؟
فتأمل - رعاك الله - ما سأكتب هنا، وتذكر أن خواطرك منطقية وبشرية، وأنه ليس من الفريقين أحد على حقٍ مطلق، ولا على باطلٍ مطلق. فالتفكر في حكمة الله وعدله في الأقدار والأرزاق لابد أن يمر عبر السؤال: (فلماذا هنا) هي بداية جسر الحكمة الذي يمضي بك في طريق الفهم إذا تمسكت بحبل التوحيد وحبل حسن الظن بالله:
أقدارك المتأخرة قد تكون رسائل من الله، فلعل الإعداد والتمكين يحتاجان وقتًا من الزمان، وليس لأن الأمر مستحيل، فلا تعظم المسألة وأنت تطلبها من الله جل وعلا. أما الإعداد منك: فهو يتطلب التهذيب، واختيار الرفيق. فلعل الله أعد لك قدرًا مختلفًا عمن حولك، ولأنك وحدت الله وسألته بالدعاء، فالعطية أكبر مما تظن. وما عليك إلا أن تتخلى عن الجزع، وتقلل السخط الذي قد يعتريك في بعض الأوقات، وتستبدله بزيادة العلم، والتكسب، والصعود على درجات النضج والوعي الايماني، وهذا لا ينزل من السماء دفعة واحدة، حتى يرى الله منك صدق الرغبة. نعم، الرغبة بالفهم دون الغضب، والتأمل دون الجزع، الرضا بما قسمة الله لك دون الزهد. إن في تأخر بعض الأرزاق أمورًا عميقة وكبيرة، ليس لأنها محجوبة أو ممنوعة كما يظن البعض، إنما أنها عظيمة وكبيرة بقدرها.
وأتذكر أن أحد القراء كتب لنا في دار آدم قصته، وكانت موجعة في تفاصيلها، وشديدة في مقتبل العمر، وعندما سأل: لماذا؟ قلنا: والله لا نعلم، ماذا رأى فيك من خبيئة أو حسنة ليمكنك، وهذا ليس تنبأ بالمستقبل، إنما حسن الظن بالله عظيم، وأن الله حاشاه أن يشيقه أو يقهره إلا بقدر أن قد تكون تطهيرًا، أو تعليمًا، أو إعداد لعطية قادمة.
وتذكر جيدًا هذه القاعدة في الأقدار المتأخرة: إذا أراد الله لك التهيئة والتمكين في دنياك، فسوف يخفف الأحمال عنك في بداية عمرك، فتظن أن أرزاقك نقصت، وما كان الله ليأخذ منك إلا لعطيك ثقلاً وهبة لا تعطى إلا لمن يقدرها.
فإن أتتك بعدها ستعلم حينها أنه كان يريد لك أن تعلم قدرها وعظمتها، وأنها ما أتتك متأخرة إلا لأنها نادرة بثقلها.
فاصبر واحتسب الأجر، وانتظر بحسن الظن بالله والتقرب إليه، ولا تبتعد عن حماه، ولا عن حمايته ورعايته، فكن قريبًا بالطاعات ليحتويك بالثواب والحسنات والهبات.
أما الفريق الأقدار المتقدمة، فلا بد أن يعي أن الإنسان بطبعه ينتبه إلى أرزاق غيره، والانتباه طبيعية بشرية، لذلك عندما يتقلب الحال بعدها وتنكسر أو تفقد، لا تضع قدميك على عتبة سوء الظن بالناس والرمي عليهم بالحسد، وأن ما كان سبب الفقد إلا بسببهم، لا. الأقدار مكتوبة ومقدرة، وقد يكونون نعم عاملًا مساعدًا، لكن كلها كانت بإذن الله ومشيئته، لكن عليك بعدة وعتاد لا ينطفئان، وإن تمسكت بهما فالعاقبة الحميدة ستلتف عليك وتسعد بالرفقة. فتأمل معي هذا رعاك الله:
النعم والأرزاق تستوجب الحمد والشكر لتدوم، ولا أن يكون فيها ذرة من العلو عن الناس، أو أنك حظيت بميزة، لا. الأرزاق بيد الله جل وعلا، وهو الرازق المتين، الذي خزائنه لا تنقص ولا تنفد. كن مؤمنًا أشد الإيمان أن رزقك المتقدم كان من الله، وأرزاقهم المتأخرة ستأتي من الله.
إذا ذهبت بعض النعم أو تحركت، لا تظن أن السفينة لن ترسو على شاطئ الاستقرار، إنما هي تحركات أمواج، إما أنها تريد أن تثبتك على أمر لأن رأت منك خطأ بالحساب أو إعجابًا، فتبين لك أن وقوفك على هذه السفينة إنما هو نعمة تستوجب لله شكرها وحمدها، ومن الذي أوجدها من العدم. أو لعل اتجاهك كان سيذهب إلى بحر لا تعلم مداه ولا ظلمته، وما كان هذا إلا لينبهك من خطر قد يلحقك. فأحسن الظن بالله أنه يحفظك من شر قد يلحقك أو شر قد تقترفه بنفسك.
وتذكر قول النبي ﷺ : {واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك} أي: إن هذا القدر الذي نزل بك من شدةٍ أو ابتلاءٍ أو تقلبٍ في الحال مكتوب مقدر، وقد يكون بغير سبب منك ولا بخطئك، ولم تكن قادرًا على رفعه ولا صرفه. فلا تلم نفسك مهما حصل، وضع همك وكل ما أهمك إلى الله، ولا تفتح باب اللوم عليك، فإن فتحته عليك فمن سيخرجه؟
ولا تظن أن فقدت رزقًا أو سلب منك أن الله لن يعوضك، وأول أمر تؤمن به وتشد على عزمك وحزمك أن تطلب من الله عوضًا أجمل، ولا تفتح باب الظنون أن لعل العوض أقل أو أنقص، فإنك لم تطلبه من البشر، إنما من رب الكون والسماوات السبع والأرض، فثق أن العوض كبير وسيرضيك. وحتى لو خطرت عليك بعض الخواطر أن لن يسد أحد الخلل ولن يجبر الألم، كلا، فإنك عبد لله وخلقت لأجل الله، وسترجع إلى الله. لذلك الحياة ليست صفحات وتطوى، إنما هي أقدار واختبارات منها من يرفع ويخفض، ومنها من يقدم ويؤخر. أحسن الظن بالله، وتذكر جيدًا أن كلما أحسنت الظن بالله أعطاك عطية أكبر، ألهذا تزهد؟ لا والله لا تزهد، واسأل الله من واسع فضله وجود كرمه.
أخيرًا، عندما ترتفع الحكمة ويزداد لديك الوعي، لن يهمك ما أنقصك أو حتى ما زادك، بقدر إيمانك أنها كلها بيد الله. فالمعنى هنا أن لا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله عز وجل، تقدست أسماؤه، وتبارك ذو الجلال والإكرام.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
انصحك بقراءة هذه المواضيع:
١- أقدار الله تثبيت لا تشتيت.
٢- الله يريك، لا ليحزنك.
٣- ماذا يقال لهم لمن طال عليهم البلاء.
٤- أقدارك لم تتعطل.
٥- الحياة لا تعاندك.
٦- بعض الناس تجاوزتهم الأقدار، أما أنت فما زلت عالقاً.
٧- معيه الله معك في الازمات.
٨- لماذا طالت الشدة وغيري في نعيم.
٩- أقدارك تتحرك.
١٠- أقدارك تتنبأ بمستقبلك.
١١- لولا الله لما تحملت الشدة يومين.
١٢- روحك قد شابت من كثرة الأقدار.
١٣- العوض الخفي
١٤- أين تفر عند شدة الأقدار
١٥- كيف تعلم أن فرَجَ الله قريب منك
١٦- كان تعطيل الشر لك، ما كان تعطيل خير
١٧- النوبات القديمة في رحلة التشافي
١٨- لا تدع بعض الملفات مفتوحة في طريقك إلى الله
١٩- كيف تعلم أن فرج الله قريب منك
٢٠- الصدق مع الله
٢١- أنت واليأس: في حربٍ لا هدنة فيها
