[ هل فاتك شيء ]
لا والله ما فاتك نصيب، ولا فاتك قدر رفيع، ولم تتأخر عن الناس. وكل من لازمة هذا السؤال: هل فاتني شيء في الحياة؟ وهو يتفكر في حالة، وصبره الذي أوشك أن ينفد، ويتفكر في أقداره التي التفت، والشدة التي زادت، وكأن الطريق ليس له نهاية ولا رفيق.
لم يفتك شيء من الحياة، واعلم أن ابن آدم لن يستوفي أجله حتى يستوفي رزقه، ولا تعتقد أن كثرة الأقدار أو الأبواب التي أوصدت مع أسباب المنع التي كثرت، أنك حجبت عن نيل الغايات والمناصب. لا، فلعل الله قدر لك هذا لأجل أن تتهذب وتتعلم، وتبدل بعض المفاهيم التي تربعت داخل عقلك وتستبدلها بحكمة وبصيرة لا تنفد. كلما آمنت أشد الإيمان أن الأقدار الشديدة لم تكن تمنعك من باب، ولم تكن حتى خصمك! لأن لعل الله قد يهيئك لخير أعظم، فكن ممن يستعد ويتأهب للتمكين والنصيب الأعلى في الدنيا والآخرة.
وقد يبادر سؤال في عقلك: هل النصيب والرزق الواسع لا بد أن يمر عبر طريق شديد؟
لا، ليس شديدًا بقدر ما هو ثقيل على القلب والعقل معًا، لأن الأمور تنكشف، والنوايا تنفضح، فبعضهم الطرق شديدة عليهم لأن الله يريد أن ينبههم على من كانوا معه في الطريق، فليس كل من حولهم من هو صادقًا أو أمين.
وبعضهم يضعه الله في طريق شديد ليس إلا لأجل أن يجعله يرى الظالم والمظلوم، فيتعلمون من هذا الطريق، فإن مكنه الله بعدها وسخر له الأرزاق، سيعلم كيف يكون بصيرًا بالناس وخبيرًا بالطريق، وقد يكون هو من ينصر الضعيف.
وبعضهم كتب الله لهم النجاح وبلوغ الغايات، لكن الله يعلم أن درجات الصبر أو تحمل هذا التمكين لم يبلغوها حتى الآن، لأن صدورهم قد تكون هشة أو قلوبهم فيها رقة، فبعد الابتلاء والشدة تتقوى أرواحهم ويزيد ذكاؤهم.
ومن حكمة الابتلاء - والله أعلم - أن يتعلم الإنسان قبل أن يعطى، والله يعلمنا أن الطريق الذي لن يضيع فيه من لزمه، وحتى لو كان دون رفيق، وهو طريق التوحيد: أن تؤمن أشد الإيمان أن الأمر خيره وشره كله بيد الله، وحتى لو تكالب عليك الإعداء أو الخصوم فأنت تعلم أن أمرهم بيد الله، وعندما تطلب فإنك تطلب من الله، وتعلم أن أعمالك وأداء فرائضك كلها نابع من إيمان شديد داخل قلبك وعقلك معًا أن الجنة حق، والنار حق، وأن الحساب يوم القيامة في ميزان دقيق، وأن هذا الكون كله بيد الله.
فهذا الدرس كفيل أن يخرجك من طريق الابتلاء، بنفسٍ أقوى متقوية بالله، وعقلٍ أذكى مفتقر إلى الله.
ولا تزهد بالفرج ولا بعطايا الله، فإن كل مرحلة بحياتك سيتغير فيها الكثير ممن حولك، سيتغير الرفقة، وسيتغير المكان والزمان، وحتى أنت ستتغير في مكان يرضيك.
الكثير تبادر لهم خواطر ويعتقدون أن الفرج لن يرضيهم لأن الزمن قد طال، لا، والله الذي خلقك وهذبك وعلمك ما لم تعلم، ستسعد وسيتسع قلبك، فالله خلقك وهو يعلم ما يسعدك، وستتفاجأ أيضًا من التسهيل والتيسير.
وأيضًا يبادر إلى أذهانهم أن طريق الفرج وبلوغ الأماني سيكون شاقًا عليهم لما فيه من التغيير وتقلب الأرزاق والأحوال، وكأنهم يقولون: نحن الآن في شدة، وكيف نستقبل الفرج وأنفسنا مازالت في ضيق وحزن ليس بيسير؟ لكن ما يسبق الفرج تغيرات ولطائف من الله يهيئ بها عبده لما هو قادم، ستتفاجأ قبل الفرج وبعده أن الله قد يمهد لك فترة ليست بقصيرة ولا طويلة، لكنها فترة غريبة وعجيبة معًا، فهذه الفترة ليس بها كرب وشدة، إنما هي الفترة الانتقالية: كل شيء يصبح هادئًا، وتتيسر الأمور أمامك دون حول منك ولا قوة، ويسخر الله لك بطانة صالحة يجوبون حولك، وهذه كلها لأن الله يعلم أن جهازك العصبي متعب وفيه الكثير من الذكريات، لكن كل مشاعرك القديمة ستخرج بهدوء دون أن تشعر حتى، وحتى يصبح قلبك متسعًا وعقلك أصفى، لذلك استبشر وبشر من معك، فهي ليست فترة طويلة، فكل ما عليك هو كثرة الذكر، وقراءة القرآن، والمداومة على الفرائض، وصلاة الفجر دون تأجيل أو تسويف أو تأخير.
فترة وتزول، وسيطرق عليك الفَرَج الباب مرة أخرى، محملاً بالعطايا والهبات وكثيرٍ من الجبر، كن متهيئًا وجميلًا، فأن ما سيأتيك بعد الدعاء والرجاء لله هو أعظم مما قد يخطر على البال.
وكلما آمنت أن طريق الشدة والابتلاء ما كان لغيبك عن الحياة ولا ليشيقك، بل كان تمهيدًا لعطاء أكبر، وتجديدًا للإيمان، وتنبيهًا من الغفلة والإعراض عن الله، وأن تكون أعمالك وحتى نجاحك القادم خالصًا لله.
فإن بلغت هذا فهنيئًا لك، فالطريق أوشك على النهاية، ونرجو أن يكون الفرج قريب ومحملٍ بالترحيب.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
