لا تدع بعض الملفات مفتوحة في طريقك إلى الله

٣٠ مايو ٢٠٢٦
-1
لا تدع بعض الملفات مفتوحة في طريقك إلى الله
3

هذا الأسبوع شاركت مع قراء دار آدم مقالًا بعنوان: علامات التغيير بعد يوم عرفة، وكانت أول علامة قد تظهر عليك هو استشعار وإحساسك أنك مسلم الأمر لله مهما حالت بك الظروف.

ثم وصلتني بعد ذلك رسائل من القراء وتساؤلات: ماذا لو لم تظهر هذه العلامة ولم أصل إليها؟

والأمر ليس بالصعوبة التي قد تتصورها، ولكن بقدر إيمانك الشديد أن الله سيتولى أمرك، ويغيرك، ويقلب حالك إلى حالٍ تأمن فيه وترتاح. فالأمر كله بيد الله.


وهنا سأكتب لك بعض من القواعد، ليست لتغييرك وحسب، بل لتبديل بعض المفاهيم السابقة.

وقد يستغرق وقت التشافي والنضج والوعي الإيماني والإدراك عند بعضهم وقت أطول، أما البعض الآخر فيستغرق وقت أقصر. والسبب وراء ذلك - والله أعلم - أن الثاني لديه قدرة على التخلي عن بعض المفاهيم أسرع، أما الأول فهو يعلم أن الحق هنا، لكنه يجد نفسه متمسكًا بقوة ببعض الملفات.


أول ملف لابد تركه والتخلي عنه، هو أن تعتقد أن حالك الآن، أو ظروفك، أو صعوبة تعديل أقدارك كانت بسبب بعض الناس حولك ممن كانوا قريبين منك أو في الدائرة القريبة. ستكون سريعًا في التجاوز، ومتجاوزًا العديد من أقرانك لو آمنت أشد الإيمان أنه لا توجد قوة بشرية ولا أسباب تقدر على جلب الخير لك أو صرف الشر عنك إلا بإذن الله.

نعم، كانوا سببًا وعاملاً في قدرك، لكن ليس لهم حبال البداية ولا النهاية. أمرك بيد الله، لو شاء الله لبدل حالك، وألبسك لباس العز والتمكين والرفعة والأرزاق.

لذلك تخلّ عن اعتقاد أنهم سبب في تعطيل أمرك.


ويقولون في العلاقات إن العاقل هو من يتخلى عمن تخلى عنه. لذلك إن كانوا هم السبب في تعقيد ظروفك، فلا تجعل من أمرهم كبيرًا، والله أكبر وهو العظيم الجليل.


تمسك بالدعاء، ولا تيأس، ولابد أن تؤمن أن هذه الأقدار تأتي على الجميع دون استثناء. فالأنبياء وهم المكرمون والمعصومون، قد ابتلوا في أقرب الناس إليهم من زوجاتهم أو أبنائهم أو آبائهم. ومع ذلك رفع والله قدرهم وعظم شأنهم. لذلك من العقل والفطنة أن تؤمن أن السنن الله لن تتغير، وأن قدرك ليس معلقًا بإقدار غيرك.


تجاوز بعض المفاهيم التي لابد كسرها أو التخلي عنها أو تجاوزها دون اكتراث. رزقك في السماء، وإن حجبة إنسان، أو مكر فيه شيطان، أو غدر فيه قريب، أو تسلط عليك صديق، أو تآمر عليك الغريب؛ فإن الله إذا أراد لك الخير والفضل أنزله من السماء دون اعتراض.

وكما قال الشيخ عبدالله القصير رحمة الله: ليس هناك شيء يجوب الأرض، طول وعرض، ويخترق السماوات، حتى يصل إلى الله عز وجل، ولا يردة شيء، إلا الدعاء.


لذلك لديك سلاح، وأعظم سلاح تتسلح به ضد التقلبات والأقدار وهو الدعاء.

واعلم ما الذي سيدور في خاطرك الآن: لماذا أنا؟ ولماذا يصعب عليّ الحال؟

لأن المؤمن يبتلى ويمحص ليظهر صدقه، ولأن الجنة درجات، فكيف تريد أن يدخلها الناس جميعًا على مرتبة واحدة؟ فالله جعل الثواب مقرونًا بالاختبارات في الدنيا.


ومشكلتنا أننا يصعب علينا فهم هذا المعنى. فإذا قلنا إن دخول الجامعة يحتاج إلى مدة زمنية، ويتطلب اجتياز الاختبارات والامتحانات التي تمد عدة شهور كل سنة، ثم نحصل بعدها على وثيقة ندخل بها عالم الحياة المهنية، مع أن المشقة النفسية معلومة، والتعب موجود في الدراسة، فإننا لا نستغرب من ذلك.

لكن مشكلتنا أننا نؤمن بهذا، ويصعب علينا الإيمان باختبارات الحياة والابتلاءات، مع أنها ما كانت إلا زيادة لك في الأجور والثواب. والعاقبة الحسنة، في دنياك والرفعة في الآخرة.


ولا تغفل عن ترك الملف الذين يحبونه أهل التشاؤم والخذلان، أن يقولوا لك: لن ترى من صبرك شيئًا، والثواب ستراه في الجنة يوم الحساب. ومنهم من يقول: الحياة كتبت لك لتصبر فقط، وليس من أمثالك من ينال النجاة.

سمع الله أقوالهم، وما عليك من صدى مخاوفهم. المؤمن قد يرى عاقبة صبره في الدنيا والآخرة، وقد يرزقه الله في دنياه تمكينًا لا يناله إلا أهل الصبر والابتلاء، ويثيبه برفعة يحبها الله، ثم محبة من الناس لا يناله أهل المكر والشيطان.


اصبر واحتسب الأجر، وألزم محراب الدعاء. ولا يضاهي سعادة في الدنيا إلا انشراح صدرك عند ذكر الله أو اللجوء إليه في كل الأحوال، فمن ذاق هذه النعمة، نرجو له أن يذوق نعيمًا أعظم منها في الجنة بإذن الرحمن.



نوره السبيعي

تويتر: alsubaiee_norah