وصلني سؤال من أحد القراء: إنني مستمر بالدعاء منذ سنوات عدة، وحتى في يوم عرفة، لكن لم يتغير شيء من حالي؟
الجواب: أسأل الله أن يوفقني في هذا الجواب، وأن يكون شافيًا وكافيًا لكل من خطرت له هذه الخاطرة. وهذه النقاط التي سأذكرها لكم من جوامع كنوز الدعاء، والمؤكد أنك ما ستجني منها خيرًا عظيمًا، فتأمل معي رعاك الله:
الدعاء أصله الإجابه، وما دام الله قد ألهمك السؤال والدعاء فأنت في خيرً عظيم، وفي قربٍ من الله أكثر مما تتصور. وهذه من علامات الخير التي تبشر في حياتك المستقبلية، وأمرك كله خير.
وانتبه معي: فالمؤمن يختبر في موضع الإنتظار، ويختبر في التأمل في الموانع، ويختبر أيضًا في إحسان ظنه بربه قبل الدعاء وبعده. وهذه مواضع عديدة تزيدك عقلاً وحكمة، أن دعاءك ليس بينه وبين الله حجاب، لكنك عليك بالتأمل والصبر.
وأثناء التأمل أيضًا والانتظار، قد تنتقل من مرحلةٍ في حياتك وعمرك من: (دعاء تختاره بعنايةٍ لنفسك) إلى مرحلة: (تسليم الأمر لله، وإحسان الظن به، وأن الله سيقدر لك ما يراه خيرًا لك).
وليس بين المرحلة الأولى والثانية وقوع في الخطأ، لا، إنما هي درجات في القرب من الله، فقد تكون ممن يلتزمون في الدعاء ويكثرون من تفصيل الطلب، وهذا محمود، وفيه توحيد الطلب، ثم يمنّ الله عليك بزيادة في الإيمان، وسعة بالعقل، أنك لم تعد تتخيل الأقدار مثل السابق، بل تصل إلى مرحله أنك تقول فيها لنفسك: ما يكتبه الله لي فهو الخير، وتكون مستمرًا بالدعاء غير منقطع، (لكن الاختيار يتحول من رغبةٍ تحددها لنفسك إلى الرضا بما يراه الله ويقدره، فهو سبحانه الأعلم).
وأيضًا كل دعاء لم تر إجابته، فاعلم أنه سيكون لك حصنًا منيعًا يوم القيامة، ويباعد بينك وبين النار، وقد يكون من مفاتيح الجنة. ستلتف إلى حالك يومها، فتجد أن أعمالك لا تسد الخلل، ولا أجورك قد كفت، فتفاجئك هذه الادعية وهي ترفعك إلى منازل عدة في الجنة، فتقول: كيف يكون دعاء صغير سببًا في دخولي الجنة؟ أليس هذا الدعاء الذي ألححت به على الله سنوات؟ أليس هذا الدعاء الذي سألته الله في أوقات كثيرة؟
اغلب الناس يدعون وهم لا يعلمون معنى: (أن الدعاء عبادة)، أي أنه مثل الصلاة والحج والزكاة والذكر، فالأجور فيه مضاعفة، والملائكة تكتب لك الثواب ما دمت داعيًا لله. لذلك كان ميزانك يثقل ويكبر، لكنك ركزت على الإجابة، ونسيت أن عداد الأجور في ازدياد.
أيضًا تنويع الدعاء أمر مهم، فالمؤمن يعلم أن بعض الأدعية مجابة، وبعضها مدخر له في الآخرة. لذلك أكثر من الدعاء، واطلب من الله الكثير، واجعل هذه السنة زيادة قربك منه.
وقد يسأل الناس الله غالبًا: الوظيفة، الزواج، سداد دين، الشفاء من مرض، وهذا من لب العقل والحكمة: لأنك آمنت أن هذه الأمور كلها بيد الله، فإذا دعوت الله بها فقد وحدته، وأحسنت الظن به، وأقررت أن لا إجابة إلا منه، فعملك هنا صحيح، لأنك حققت توحيد الطلب لله جل علاه، فأي نعيمًا هذا؟ لقد فزت فوزاً عظيماً، وحققت معنى العبودية.
لكن هناك أدعية بركتها في حياتك أكبر وأعظم. وتفتح لك أبواب التوفيق من حيث لا تحتسب. ستكون مرتاح البال، واسع العقل، هادئ الروح. وقد يحتاج أقرانك لسنوات طويلة ليبلغوا النضج، لكن الله يثيبك في زمن أقصر. سيسخر الله لك الناس دون حول منك ولا قوة، ويقذف محبتك في قلوبهم دون جهد منك ولا كلفة، ويعصمك الله من أهل الفتنة والوقوع في الكبائر، وليس ذلك بجود منك أو حنكة، وإنما بسبب استمرارك في الدعاء ورجاء ما عند الله:
أولاً: اطلب من الله الرشد والحكمة والرضا والتوكل عليه،
أكثر من الدعاء بأن ينير الله طريقك، وأن يهبك فهمًا وحكمة، والمعنى هنا أن يكون لديك بعد آخر في النظر إلى الأمور، فتجد نفسك تحل مشكلاتك بسرعة، وتكون رزينًا في أقوالك، وعظيمًا في أفعالك. ولا تقل إن هذا مبالغة، فالله لا يعجزه شيء، وإذا استمررت على هذا الدعاء، ستجد أبوابًا من الفهم قد فتحت لك. والأجمل من ذلك إذا أخر الله عنك أمر، فلن تكون ساخطًا ولا ناقمًا، بل تدرك بحكمتك أسباب المنع، وتعلم أن لله تدبيرًا أعظم. وقد تكون راضيًا وقلبك متوكلًا على الله وحده.
(اللهم ارزقني حسن الظن بك، وصدق التوكل عليك).
ثانيًا: اطلب من الله أن يجعلك من الشاكرين، إذا دعوت بهذا بإلحاح، واستجاب الله دعاءك، فستجدك نفسك دائم الشكر لله، حاضر القلب معه، وتجد أن الله يذكرك في مواضع شكره، فستجدك عند تقلبك في الفراش، أو أكلك الطعام، أو شربك الماء، أو حتى المضي في أطراف يومك، ستجدك شاكرًا وذاكرًا. أي أن الله سيديم النعم وسيبارك لك فيها، وستكون في زيادة، وهنا فإن الجزاء من جنس العمل.
(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
ثالثًا: اطلب من الله الرزق الحلال المبارك والجاري، وليس بالمنقطع؛ ولن تفهم هذا المعنى البليغ إلا إذا مررت بأبواب الحياة، وعلمت أن الحلال هو البركة، والجاري هو مثل الماء في زرعك.
لا تطرق باب الوظيفة بقوة، بل أرزاق الله واسعه وكبيرة، قد تكون تجارة، أو قد تكون وديعة، أو يكون عملاً تعمله وحدك يجلب لك الكثير من المال والرفقة.
وألح على الله أن يكون جاريًا غير منقطع، ولا تستح من الله، فإننا مختبرون في مواضع عدة، وأن يكون كل أمر نطلبه من الله، وكل ما يكون عونًا لنا في الدنيا والآخرة.
ولا تكن من الذين يريدون المال من الله، ولا يسألون في دنياهم: أكان هذا حلالًا أم حرامًا، فإن الدعاء قد يحجب إذا كان مطعمه حرام واكله حرام، وقد تكون لا تنوي أن يكون رزقك حرامًا، لكنك لا تجتهد في السؤال ولا تزكي الأموال. فاطلب من الله أن يعينك في هذا، فإن صدقت النية أعانك الله بعدها.
رابعًا: اطلب من الله الهداية، وأكثر من الدعاء: (اللهم اهدني وسددني) ولا تنظر إلى ذنوبك ولا أخطائك فيما مضى من عمرك، فكل يوم هو لك عون، وكلما طلبت من الله الهداية، أرشدك إلى العمل الصالح، وباعدك عن الذنوب المعاصي. وإن وجدت من نفسك أنك تتجه إلى طريقٍ النور فيه ساطع والقلب له حاضر، فباعد بينك وبين من هم في غفله، [ فإن بعضهم سيأخرونك ومنهم من سيسحبونك ]، ولا تظن أنهم لا يعلمون بطريقك، فإن الهداية تبان بين وجناتك، لذلك لا تضعف النية إن حاول أحد تثبيط عزمك أو همتك، فإن أقوالهم ثابتة ونواياهم فاضحة، فكن لبيب العقل، فاهم المقصد.
خامسًا: اطلب من الله العون والتأييد والتمكين، ولا تهمل هذا الباب ما دمت لله سائلاً، فإن من العون ما يكون لك مثل الجنود حولك، تأمر هنا وتطلب فيلبى أمرك، وتجد من يدافع عندك، ويرتب لك الأمر، وهذه ليست مبالغة أيضًا، فإن من لازم هذا الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يدعو به: رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا ، لك مِطواعًا، إليك مخبتًا أو منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي. (وجد أن الله سيحفظه من كل مكر وشر، ويسهل له كل أمر ومر).
ومن جمال الدعاء الخفية التي لا يعلمها إلا من لازمه، أنه يفتح أعمالاً صالحة لم يسع إليها، فتارة يكثر ماله فيتصدق، وتارة يحفظ جزءًا يسيرًا من القرآن، وقد يزداد بالصيام، ويعلم أن بلوغ منازل الطاعات إنما كان بسبب قربه من الله. وصاحب الدعاء فهو في إطمئنان مستمر، فإن هلت عليه السعادة رفع يديه وشكر، وإن ضاقت عليه الدنيا رفع يديه وطلب.
وأن كنت ممن يكثرون الدعاء ويلتزمون في هذه العمل، فهذا من تكريم الله لك وجعلك في منزلة أعلى عما حولك، أي أن الله ألهمك الدعاء ويسر لك الثبات فيه، فلا تقارن نفسك بالمعرض عن ربه، والغافل في الحياة الدنيا. لست مثله، ورزقك أكبر، والعاقبة في الآخرة أعظم وأجمل. وسترى الإجابة في الدنيا، وسيقر عيناك بها، وسيكافئك الله في الآخره بما لا يخطر على عقلك.
ترقبونا غدًا يوم الأثنين بمشيئة الله مقال جديد بعنوان:
[ مفاتيح يوم عرفة ]
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah