بعد أن نفدت منك السهام، واتكأ ظهرك على الأوهام، وأصبح ميدان المعركة في زحام، ولا ترى بعينك حَمام السلام، وغدا قلبك في حطام، وبدأ الجنود في الانقسام، ولا ترى أصحابك من إقدام، وكثر بينكم الصدام، وبات النصر كالأحلام، وأوشكت الهزيمة على إعلانٍ مع الأعلام.
فهنا تأمل الموقف:
هذا حالك مع سعيك وإصرارك في معركة الحياة.
[ والعدو الخفي الذي لبس عباءة النفاق: اليأس ]
سيقبل عليك في هذا الضعف عندما ينفض عنك الأعوان.
سيقنعك أنك أديت الأمانة، وبذلت الصعاب، وسعيت بالحلال، ويقول لك: إن من تمام العقل والفطنة أن تنسحب بهدوءٍ دون التفات، (وهذا والله من ألد الأعداء).
هذه الحرب التي أمامك وأمامه ليست للانسحاب، وليست لأجل أن يقهرك القدر بإن ما تطلبه من المحال، لا، إنما أنزل الله هذا القدر لأجلك، لتتبدل الأحوال.
وإذا نويت أن تجعل حصنك منيع ضد اليأس وأعوانه فتأمل معي هذا:
- يعتقد بعض الناس أنه يحتاج إلى أن يفهم لماذا أقبلت عليه هذه الأقدار، وأنه يحتاج لمواجهة هذا الكرب وهذه الشدة إلى قبيلة من الدعم أو رؤوسٍ من المدد. لا، فالله لم يطلب منك الفهم، ولا أن تدخل في شؤون العباد. لقد أنزل القدر، وهو القادر على كشف أسبابه لك دون حول منك ولا قوة. [ الأقدار ليست بيدك، ونصيحتي لك: لا تتدخل في شؤون الكون والأقدار التي بيد الله ].
واحفظ هذه القاعدة جيدًا: عندما تشعر أنك تود أن تحل الأمور داخل عقلك، ستفقد السيطرة وسيكون اليأس في انتظارك عند الباب. لذا أغلق باب التعلق بفهم الأسباب.
لا تحتاج إلى أن تعرف: لماذا نزل عليّ هذا القدر؟ ولماذا اشتد؟ لا تكثر من هذه الخواطر. وحتى لو صعب عليك الفهم وذهبت منك مفاتيح الحلول، فإنك لا تلام، فكلها أقدار مكتوبة ومقدرة بزمان، وما عليك إلا أن تصبر وتحسن الظن بالله، وأن الفرج قادم بإذن الرحمن.
- ارفع أعلام التسليم بالله، فيهدأ قلبك، ليس لأنك انتصرت، وإنما لأنه إيمان قوي بأن الأمر بيد الله، وأنه تحت تدبيره. وليس التسليم توديعًا للأمر كما يظن البعض. يعتقد بعض الناس أن شعور اليأس من دلائل الذكاء أثناء الأقدار، لكن إن اتخذته صديقًا فهو منافق: لا يريد لك النصر، ولا العوض، ولا تبدل الحال. أما التسليم: فهو أن تؤمن إن وقع بعد ذلك ما لا تحب، فاعلم أن ظاهره قد يكون شرًا، ولكن الخير في عقباه. فكم من مؤمن ظن أن غاياته وطموحاته ضاعت كالسراب، لكن الله كان يمهد له الإعداد والأسباب (فأحسن الظن بالله مهما طال بك الحال).
- مما يخفى على الناس أنك مختبر باليأس في دنياك، كما أنك مختبر في مواضع الصبر والنعم والشدة والفرح. فأنت أيضًا مختبر باليأس؛ هل عندما زارك اليأس في حياتك كنت من شد على طلبه بالدعاء، وسأل الله دون خوف ولا ملل؟ فبعض الناس يدعو الله وكأن الأمر قد فات، وبعضهم يدعو وكأن السنوات قد مضت دون إجابات. لذلك ادع الله واستمر، ولا تيأس، ولا تتنازل عن طموحاتك ولا رغباتك. وتذكر جيدًا هذه القاعدة: [ وما كان الله ليؤخرك إلا ليمكنك ].
- يقول بعض الناس إن اليأس فعل مريح للنفس وهادئ للعقل، لكن الذي يخفى عليهم أنه يعطل السعي، ويمنع البحث عن المعرفة، وزيادة العلم والأخذ بالأسباب. وعندما تطرد اليأس من بابك، فقد يرجى أن يحقق الله طموحاتك وسعيك، ويعوضك عما فات. وستتفاجأ حين ينزل عليك الفرج وتحقق الغايات [ بأن مسيرة السعي نفسها، والأخذ بالأسباب، كان طريقًا ممتعًا مليئًا بالذكريات ] وعندها ستعلم أن الله حين أخر عنك الغاية، أراد لك التهيئة والإعداد، لتتهذب النفس، ويستنير العقل، وتشتعل الحكمة بين ثناياك.
تخيل لو اثنين عند الباب: الأول يطرقه بقوة ليسمعه من بالجوار، أما الآخر فيعلم أن فتح الباب قد يستغرق وقتًا أطول، فتراه يتجمل ويتأنق وكأنه مستعد بالحال.
هذا هو الفرق بين من يسعى وهو يعلم أن الله يهيئ له الأسباب، ومن يطرق الباب بقوة ليسأل عن تأخر الأقدار.
أخيرًا أوصيك: اليأس عدو خفي منافق، كلامه عذب، ويكثر التنظير، ويذكرك بأفعالك التي مضت ويقلب عليك المواثيق، فلا تدع له بابًا، ولا تصدق منه الأقاويل.
ادع الله وخذ بالأسباب، وعندما تتأخر الإجابة فاستمتع برحلة التعلم والتفكر وزيادة الإيمان.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
انصحك بقراءة هذه المواضيع:
١- أقدار الله تثبيت لا تشتيت.
٢- الله يريك، لا ليحزنك.
٣- ماذا يقال لهم لمن طال عليهم البلاء.
٤- أقدارك لم تتعطل.
٥- الحياة لا تعاندك.
٦- بعض الناس تجاوزتهم الأقدار، أما أنت فما زلت عالقاً.
٧- معيه الله معك في الازمات.
٨- لماذا طالت الشدة وغيري في نعيم.
٩- أقدارك تتحرك.
١٠- أقدارك تتنبأ بمستقبلك.
١١- لولا الله لما تحملت الشدة يومين.
١٢- روحك قد شابت من كثرة الأقدار.
١٣- العوض الخفي
١٤- أين تفر عند شدة الأقدار
١٥- كيف تعلم أن فرَجَ الله قريب منك
١٦- كان تعطيل الشر لك، ما كان تعطيل خير
١٧- النوبات القديمة في رحلة التشافي
١٨- لا تدع بعض الملفات مفتوحة في طريقك إلى الله
١٩- كيف تعلم أن فرج الله قريب منك
٢٠- الصدق مع الله