تأتيني رسائل كثيرة من القراء، منها ما ليس اعتراضًا على أقدار الله، وإنما هو سؤال لم يجد إجابة حتى الآن، مثل: شهدتُ انفصال والديّ في عمر مبكر، أو جرحتُ في طفولتي ولم آخذ حقي، وصعب عليّ نسيان ذلك. ومنهم من يقول: حملتُ عداواتٍ اجتماعية صدرت ممن يكبرونني سنًا، أو عاصرتُ خلافات داخل دائرتي القريبة، [ ولم أكن يومًا المسبّب أو المتسبّب، فكيف بعد هذا كله أحمل أقدارًا ليست أقداري؟ ]
أعلم أن بعض الأقدار لا يمكن البوح بها، وأن الحديث عنها في ميزان الناس قد لا يكون مقبولًا أو مسموحًا، لكنها في ميزان الله ظاهرة ومعلومة، ويعلم الله من هو المتسبب، ومن كانت له يد في الأمر كله.
خذها قاعدة: خطأ ليس بخطئك، وفي شرع الله ليس ذنبًا عليك، فلا تؤاخذ بإثمه.
فكيف بعد ذلك تحمل أمتعة غيرك؟
لا أقول إن الأمر هيّن، ولا أقول إن ما نزل بك ليّن، واصبر وتصبر، ثم ينتهي الأمر، لا. فالمعنى أكبر من ذلك. إنما أقول: أخرج نفسك من دائرة اللوم، وعندما تخرج منها فإن كثيرًا من الأمور ستتضح لك. وحتى لو كانت الذكرى ما تزال حية في ذاكرتك إلى الآن، فإنك إذا بدأت تخفف عن عاتقك أمتعة غيرك، فسيكون ما يحدث لك بعد ذلك فارقًا وحاسمًا في حياتك.
والمعنى أن الأقدار التي لم تكن بسببك، ليس ضررها واقعًا عليك وحدك، لا. إنما قد تجعلك تعتقد أن لا مكان يستقبلك، وتشعر وكأن بعض الأقدار السعيدة بعيدة عنك، وكأنها تقول لك: إذا أصبحت مستعدًا للحياة فأقبل علينا، أما الآن فلا.
وهذا يشبه حال بعض الناس الذين ركبوا سفن الناجين وجلّ ما يريدونه هو النجاة فقط، وليس همهم تجديد خطط حياتهم، أو العمل، أو الكسب، أو التعلم، أو حتى مخالطة الناس. فهذه ليست من أكبر اهتماماتهم. لأن الحياة بنسبة لهم أصبحت مجرد نجاة من المصائب التي شهدوها، وغالبًا كان المتسبب بها من هم أكبر منهم سنًا.
لا، قدرك قد يكون أكبر، والله قد جعل لك نصيبًا ستبلغه، وبإذنه سيسرك بالنصر والفتوحات والتقلبات المباركة ما دمت راجيًا الله وحده.
تأمل معي هذا:
أولاً: استشعر أننا ما زلنا في الأرض، ولم نبلغ الجنة بعد. فالحياة أمامنا مد وجزر، ومن الأقدار ما هو مقدم لك، ومنها ما هو مؤخر، ومنها ما يكون جزاءً وثوابًا لك على عملك الصالح في دنياك، ومنها ما يكون عقوبة وعاقبة على من تجبر أو تخلى أو ظلم.
لذلك ثق ثقة كاملة أن جميع المؤمنين مختبرون في مواضع مختلفة. نعم، يختلف الزمان بينهم ويختلف المكان. ومنهم من كتب له عمر أطول، ومنهم من كتب له عمر أقصر. لذلك فإن التفكر في أقدار الناس قد لا يكون واضحًا لنا، لكنها في شرع الله ثابتة ومحكمة، فهو يعلم الغيب ويدبر الأمر، وهو الخالق سبحانه. وهو حليم بخلقه، لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل.
ثانيًا: الله لن يحاسبك على قدرٍ أو ذنبٍ لم يكن من فعلك، وليس من يديك، ولم يكن يومًا قد خرج من بين جنبيك، بل كان من فعل غيرك.
والله وحده يعلم الحكمة من أن ترى كل هذا في بداية عمرك، فلا خبير ولا عليم إلا الله.
لذلك خفف وطأته على عقلك، ولا تكثر الشكوى للناس، لكي لا يثبت ذلك في قلبك.
وتفكر أن لله حكمة لا يعلمها إلا هو، فإن هذا يخفف عنك الحمل والحزن، ويخفف ثقله على ظهرك.
لكن لا تنسَ أننا ما زلنا محاسبين على ذنوبنا التي اقترفناها، والحمد لله أن الله يغفر ويرحم.
لذلك لا تنشغل بذنوب غيرك وشر أعمالهم، واجعل نصيب التفكر والمحاسبة لنفسك: كم من إصلاح تحتاج إليه، وكم من ذنب تود أن تقلعه من حياتك، وكم من أفعالٍ عابرةٍ لكنها في ميزان الله ثابتة، وتكتب خطيئةً وذنبًا. وكم من أوقات تكون فيها أبواب الله مفتوحة، يستقبل المذنبين والمنكسرين، ويغفر لهم الذنوب جميعًا، بل يبدل السيئات حسنات. وما كان ذلك إلا من جود كرمه وإحسانه وفضله على عباده. لذلك عليك بنفسك، واعمل على إصلاحها وهداية قلبك.
ثالثًا: أنت تعتقد أن ما أصابك سابقًا سيؤخرك عن أقرانك، لكن اعلم جيدًا أن من تسببوا في الأذى هم الذين اختاروا سوء الأمتعة [ أما أنت فكل ما عليك ألا تحملها ].
وهذا أول تمكين لك في دنياك، يثيبك الله عليه: أن يجعلك أقوى لأنك رفضت حملها، ورفضت أن تكون ملازمة لك في فصول حياتك، ورفضت لوم نفسك.
أي إنك تقبلت الأمر بروح طموحة، وهمة عالية، ونفس راضية عن الله: لأنك علمت أن قدرك عند الله محفوظ، ودعاءك مسموع، وأن الأمان عند الله يهدئ الرّوع. وعندها ستسبق أقرانك، لأن ما قد تصل إليه بعون الله ليس بالأمر الهيّن.
رابعًا: بعد أن خففت حملك، تقدم واطلب من الله أن يبلغك أبواب الحلال من واسع فضله، وليكن هدفك أن تكون الغاية عونًا لك على طاعته، وأخلص النية أن تكون خالصةً لوجهه، وأن تستغفر ما دمت لله راجيًا وطالبًا، فقد تتجدد الغايات، وتطلب أكثر، والله إذا رأى منك صدق الافتقار إليه، وألا تستعين إلا به، ولا تطلب إلا منه، ولا تتوكل إلا عليه، وأديت الفرائض، وعظمت التوحيد في قلبك، فاسأله كثيرًا، وأحسن الظن به عند الدعاء:
- قد يكون باب العلم والتعلم والبحث عن المعرفة، ثم يمكّنك الله بالمنصب.
- وقد يكون ضربًا في الأرض ومالاً حلالًا مباركًا تكسبه، ثم تجارة قد يبلغ مداها القارات وما خلف البحار.
- وقد تبدأ عندك جذور عائلةٍ صالحةٍ، ثم تقر عيناك بإحفادك وبيتٍ واسعٍ يسمع صداه إلى خامس بيتٍ من قربك.
- وقد يكون ثمرة زواجك أن يكون هو أو هي رفيقًا في دنياك، ثم رفيقًا بالجنة، وتكون المودة والوصال بركةً بينكم لا تنضب.
وأنت اعلم بما تريد، وأعرف بدهاليز نفسك، لكن لا تقلل الطلب والمطلب ما دمت تدعو الله وحده.
الله قادر على أن يفتح لك أبوابًا جديدة في حياتك لم تكن تظن يومًا أنها ستفتح لك.
وتذكر هذه ولا تنسها: لا بد أن تترك جزءًا من الماضي خلفك، لأن من تسبب لك بالأذى في مرحلةٍ سابقة من حياتك قد يكون حرمك من أبوابٍ كثيرة، وأولها لذة العبادة وعلاقتك مع ربك.
تأمل معي: أنت الآن تدعو الله، ودمعاتك لا يعلم بها إلا هو، وتشتكي إليه ما وقع عليك من ظلم، وتبوح له بما في خاطرك، وبمن كسر شغفك ووهن همتك.
وهو سبحانه سمع مناجاتك، وهو أعلم بحالك منك.
لذلك فأنت تعلم أنك مأجور على صبرك، ومتعبد لله، وترجو أن تكون منزلتك قد ارتفعت عنده.
لكن في استطاعتك بإذن الله أن تخفف عن نفسك أكثر، حتى تصل إلى مرحلة تتعبد فيها وأنت مطمئن، وتشعر بأن في قلبك أنسًا بالله. ولا تقل: كيف وأنا لم أبلغ غايتي، ولم تحقق الأمانيّ بعد؟ لا تخف، سيبلغك الله ما ترجو، وسترى عوضه، وسيريك من فضله وعدله وحكمته ما تقر به عيناك. وعندها سيكون حالك كحال من استشعر شيئًا من نعيم أهل الجنة - جعلنا الله وإياكم منهم - وكيف أنهم يحمدون الله على فضله، مع أنك ما زلت في دار الأرض والعمل. وإذا وصلت إلى هذه الحال، فسترى أن الحياة والعبادة والكسب الحلال وسائل تتقرب بها إلى الله. وستجد أن الماضي لم يعد يهيمن على قلبك كما كان، ولن يشغلك كثيرًا من تسبب في أذيتك أو هجرك: لأن علاقتك بالله بلغت مرحلة صار فيها جل اهتمامك وأمرك.
فهو الذي سمع صوتك، وتولاك برحمته، ولطف بك في همك، وكفاك ما أهمك، واستجاب دعائك كما شاء. حتى تبدأ تستشعر أن كل لطف عابر، وكل تيسير وتسهيل، إنما هو من الله وحده. وحينها يفيض قلبك بالحمد والشكر، وتصبح مستأنسًا بذكره ومحبًا لحمده.
وسأبشرك بشارةً تسعد بها روحك، بعد أن تخفف الأحمال، لن يستطيع أحد أن يؤثر عليك مرةً أخرى أو حتى يقول لك: احمل عني هذه، وخفف عني.
لا، ستكون خبيرًا بهم، وستعرف من يحبك من لحن قوله، وعندها لن تخاف منهم، بل أصبحت واعيًا، حذقًا، تعلم جيدًا أن الله خلقك لعبادته وتوحيده ولم يخلقك لتحمل ذنوبهم، لكن ما كان هذا القدر إلا بإذنه، وهو العليم الخبير.
فالزم محراب الدعاء، وأدّ فرائضك الخمس، وقل: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
