في المقال أمس تحدثنا عن الأصوات التي لا بد أن تحجبها عنك في طريق الابتلاء والشدة، وليس منها منفعة أو حصاد إلا كثرة الهموم والغموم على عاتقك.
وما زال هناك صوت قد يخفى على كثير من الناس، ويظنون أن أثره عليهم قد لا يتعدى أرجاء الغرفة. لكن قد يكون من أكثر الأصوات التي تؤخرك أو تحبطك بل وتضعفك في طريق البلاء والشدة.
وهم قد يكونون حولك أو في دائرتك القريبة، ممن كانت لهم يد في هذه الشدة، أو شاهدوا معك هذا الطريق، بل قد يكونون معك في هذا الابتلاء. لكن جل ما سيفعلونه هو هدم ما يحاول قلبك أن يبنيه.
المعنى:
قد تأتيك كلمات تظن أنها عابرة مثل: هذا ما فعلته يداك وهذا تخطيطك، فتحمل أنت عاقبة أمرك، أو لقد نبهتك مرارًا إلى عواقب أمرك، لكن قد يكون هذا حظك فاصبر حتى تلقى جزاء صبرك بالجنة. والأدهى والأمر لو كانوا ينسبون هذا البلاء إلى سوء حظك أو أنك قد تكون منزوع البركة.
وهي كلمات تنزل في الجلسة دون حراس ولا خوفٍ من العاقبة. وستعرف هذا جيدًا عندما تشعر بضيق في صدرك عند الجلوس معهم، أو قد لا تظهر أسوأ صورة منك إلا معهم. ولها عواقب أكثر، أنك بعد الجلوس وسماع أقوالهم لا تفكر بمن قالها أو من قصد بإرسالها، بل بقدر أنك قد تكون آمنت بأقوالهم، فتجدك كارهًا نفسك وحالك، وقلبك كأنه أغلق أبوابه وتأصدت أقفاله.
ومثل هذه الحالات والجلسات ليست من شيم الإنسان المؤمن أن يكدر على أخيه أو حتى أن يضيق عليه قلبه. فلا تظن كل من حولك طاهرين، وما قلوبهم إلا كالماء في الليلة الظلماء.
وسبحان الله من حكمة الابتلاء - والله أعلم - أنك بعد الفرج ستعرف جيدًا من كان يريد لك النجاة والمضي قدمًا وتفرح عيناه عند لقياك، أو من كان سببًا كبيرًا في شدتك. فلا تكره هذه المشاعر التي يرسلونها، لا بد منها في هذه الحياة حتى تكشف لك الستار عما خلف القلوب.
ماذا تفعل معهم؟ ألزم الصمت وقلل من الحديث، وأخفِ صدق لسانك عمن لا يفهم مشاعرك ولا يرفع عنك. وفي مقال أمس تحدثنا أن الصبر له عواقب حتى لا يدركه المرء ويشعر أن عملًا صالحًا يريد به وجه الله ومثوبته، لكن الله يعطيك عواقب ترى بين الأعيان وتبصر لها القلوب من قوة وجلادة وثبات وعزّ وهيبة.
لذلك من جمال الصمت عند ما لا تحبه نفسك ولا يرتاح له قلبك، أنه يكسبك حلية لن تدركها إلا إذا جربتها مرارًا معهم، منها ما سيكون لك مفاجئًا ومنها ما ستعلم أن ما كانت هذه الشدة إلا لتظهر أجمل ما فيك، ولا تخرج من عاتقك إلا الهشاشة والضعف، ولا عيب بالضعف فالإنسان جبل عليه، لكن الله ما كان يريد إلا تقويتك وإعظام أمرك.
وسأقول لك بشارة تسعد بها روحك: كلما صبرت دون التشكي ولزمت الصمت عند ما لا يفرح بلقائك ولا يريد لك النجاة من كربك، فإن ظهور هذه الصفات فيك قد تكون - والله اعلم - من علامات قرب قدوم جيش الفرج لك.
فحتى لو كان على أثر جسدك الرماح والكثير من الجراح، فإن رؤية الفرج تبشر بقدوم الانشراح والأفراح والارتياح.
والصوت المسموع الذي لا بد له من السمع والخضوع هو صوت دعائك الذي لا ينقطع من حزن ولا يتوقف من ملل. والصوت الذي لا بد أن يكون عاليًا في الآفاق حتى لتسمع صداه داخل عقلك إلى بوابة قلبك.
صوتًا تؤمن به وتؤيده وتطيل به ولا تقصره. صوتًا يذكرك أنك تطلبه من الله الذي لا يعجزه سؤال ولا يقف عنده مخلوق، هو من أوجد الكون كله من العدم وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.
استشعر أنك في اختبار وهذا الاختبار من الله، أي أنك تدعو الله ليكشف لك هذا الحزن الذي لازمك منذ سنوات، أو سحاب الغمة الذي لازمك منذ شبابك. استشعر أنه حتى لو كان كل أسبابه دنيوية وكل من تسبب به من البشر فإنه نزل بإذنه وسيرفع بإذنه.
وليس هذا لتقول لنفسك: لماذا؟ ولماذا يكتب علينا هذا الشقاء في الحياة؟
هذا حالك كحال من أراد دخول الجامعة دون حضور أو حتى دون اجتياز الاختبارات، والأدهى من يقول: اكتبوا اسمي وعند التخرج أدرجوني معكم! فكيف سترد عليه؟
الجنة مراتب ودرجات، وليست مشكلتنا فهم أسباب نزول الابتلاء بقدر فهمنا لماذا نحن نعيش في الحياة؟
نحن مختبرون وممتحنون ما دمنا في الأرض، والتفت إلى الخلف لترى أجدادك وآباء أجدادك، هل تسمع لهم همسًا أو ركزًا؟ مضت حياتهم وانتهت وما بقي لهم إلا يوم الحساب وتوزيع المراتب، وستلقاهم بعدها، وأسأل الله أن تلقاهم في دارٍ تسرك.
لذلك أؤمن أن الله أوجدنا للاختبار، وأيضًا وعدنا من وعده الكريم والعظيم ولطفه الذي لا ينفد أن في الدنيا سترى عاقبة أعمالك وصبرك وتحملك وعباداتك، نعم ستراها في دنياك ما دمت راجيًا وموحدًا وراضيًا عن أقدارك، فيعجل الله العاقبة لك وينزل عليك الفرج ويعطيك من الهبات والتمكين ما تقر به عيناك وقلبك، وقد يراودك سؤال: هل المؤمن يخلق للطموح في الدنيا وبلوغ الغايات؟ وهل له نصيب من هذا؟
بإذن الله سيكون الجواب في مقالنا يوم السبت [ الدخول إلى بوابة التمكين: حين يمكنك الله في دنياك ].
أخيرًا لا تنس أن العاقبة في الآخرة أعظم وأكبر، فكم من قصورٍ تبنى في الجنة الآن، وكم من مجالسٍ تنتظر قدوم أصحابها، وكم من رفقة أحببتهم في دنياك فسيجعلهم الله أمام عينيك على سرر متقابلين، وستقول: والله إن ما أصابني في دنياي إلا القليل، وما أعطاني الله إلا الكثير.
نوره السبيعي
