علامات التغيير بعد يوم عرفة

٢٧ مايو ٢٠٢٦
-1
علامات التغيير بعد يوم عرفة

بعد أن أقررت بذنوبك، وطلبت الأعالي من الجنان، وقد انتهى يوم عرفة، وبينك وبين الدعوات رجاء وانتظار، تحاول أن تتذكر دعواتك وتخاف أنك نسيت بعضًا من الأمنيات، وتقول في نفسك: عسى الله أن يعطيني ما أرجو.


ليس بينك وبين باب التسليم لله إلا باب، وإن أمسكته وعرفت مفاتيحه، ستجد أنك مرتاح البال، ومطمئن في أسوأ الأحوال، وترى من حولك يتشبثون بك، ليس لأنك القوي الفطين، بل لأنهم يرون فيك عنوان التسليم.


وإن لم تجد هذه العلامات فيك، فلا تقل: إنها والله صعبة، وبيني وبينها ألف باب.

لا، فإن المرء يتطبع بأحسن الطباع، فإن أهل الجنة هم أهل التطبع لا أهل الطباع، أي أنهم اكتسبوا حلية من الطباع الحسنة، مقتدين بسنة رسولهم الكريم، وبأهل العلم والعباد.


وعلامات التسليم تظهر إذا:

  • كلما أحسنت الظن بالله، أيقنت أن ما دعوت به في يوم عرفة سوف يستجاب، وإن لم تستجب بعض الدعوات، فإنها مدخرة لك قريبًا أو في الآخرة، ولن تضيع.
  • وكلما أحسنت الظن بالله أيضًا، ارتفع التسليم لله في كل أمورك، وستجد أن الضيق والحزن والاكتئاب يتبدد عنك هذه السنة بالتدرج وبالتحسن، دون جهدًا منك ولا حساب، إنما كان هذا من الجزاء من جنس العمل، أحسنت الظن بالله، فأثابك على ذلك براحة بال وهدوءٍ مع تسليم.
  • وإذا كانت هذه السنة أشد كربًا وبلاءً مما مضى من سنوات حياتك، فلن تقول: كيف حصل هذا، ودعواتي التي دعوت بها دون انقطاع؟ بل ستقول لمن حولك: هذا الفرج نزل علينا دون موعد ولا تاريخ. (فإن المؤمن يعلم أنه إذا اشتد الكرب، فهي علامه النهاية، وخلفه فرج عظيم) والله جل وعلا يريك قدرته في الفرج في أسوأ أحوالك، لتعلم حينها أن لا منجي إلا الله، وهو يريك قدرته وجلال عظمته في كشف الغمة دون تأخير.
  • ومن علامات التسليم، أن يكون الله همك وجل أمرك، وهو من تتكل عليه في جميع شؤونك، فإذا خيرت بين أمرين، وجدت نفسك تصلي الاستخارة، ثم ترفع يدك وتطلب من الله الاختيار. وإن أتتك نوبة ضيق أو حزن أغمك، وجدت نفسك تذهب إلى الله وتفر إليه داعيًا ولاجئًا، فتهدأ روحك ويطمئن قلبك في غضون ساعات لا أيام.
  • ومن العلامات أيضًا أنك تستوحش من كل ذنب اقترفته سابقًا، ولم يعد هناك وقت للتأجيل، واعلم أن القلب إذا اطمأن بالله، خشعت معه الجوارح، وهذه منزلة يحبها الله ويرضاها لعباده المؤمنين.
  • ومن علامات التسليم، أنك إذا أتاك أمر على خلاف ما طلبت وما تمنيت، تطمئن وتقول في نفسك: لعلي كنت مخطئًا، والله يرى الخير ويعلم الغيب، وليس من أمري شيئًا إلا التسليم. لن تسيء الظن بدعاءك ولا بقدرك، بل يزداد إيمانك بإن ما طلبته من الله قد لا يهيئه لك الآن لأسبابٍ يراها الله، ولو كشف لك الغيب لخفت وهلعت لو استجيب دعاؤك، وقلت: الحمد لله الذي صرف عني هذا الأمر.


هذه السنة، اجعل حسن ظنك بربك أعلى مما مضى، وارفع درجات محبتك لله، وتقرب إليه بأحسن الطاعات والقربات، ليس لتحقيق أمنياتك فحسب، بل لأن الله يحب من عباده من يحبونه ويرضون عنه، ويرضون بما قسم الله لهم. وليس لأن خزائنه محدودة، أو الخير محظور على بعض الناس، كلا، بل هو اختبار: ليرى الله من من عباده، رضي بما قسم له، وكيف حال قلبه حينها.

لذلك لا تر من الدنيا شيئًا عظيمًا، ولا تقطع الحبال بينك وبين الله لأجل أمنية صغيرة، فلو كشف لك الغيب، واستجاب الله دعاءك، لكانت شؤمًا عليك وحزنًا في صدرك كبير.

لذلك نحن ندعو، نعم، ونرجو من الله الأمنيات، لكن بعد الدعاء يكون التسليم بأن ما يكتبه الله لنا هو الخير. وليس معنى هذا أن يكون حالك كحال من لا يدعو، كلا، فدعاؤك رفعك إلى منزلة عظيمة مع المؤمنين.


لذلك عليك هذه السنة أن تعود نفسك على التسليم، حتى لو أخفقت مرة، ستنجح في المرة الثانية وستتفاجأ من نفسك كيف أصبحت من أهل التسليم.


وأبشرك بشارة يطيب بها خاطرك: إن دعاءك هذا كله عمل صالح، والعمل الصالح يثيب الله عليه، لذلك سترى بعينك بعض الفتوحات والتيسير والتسخير، وستقول: هل هي ذنوب قد كفرت؟ فلا تفتح على نفسك هذا الباب، واستبشر، فهذه من ثمار فضله عليك، لأنك علمت أن يوم عرفة عظيم القدر، فرفعت يديك مع المؤمنين بروح متعبة راجية، والله يثيب على كل التفاصيل.


استبشر بالخير، وإذا وجدت في نفسك راحة بعد دعاء يوم عرفة، فتذكر أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل كما يليق بجلاله، فكن من الذين يذكرونه ويرجون رحمته. وتذكر أيضًا أن الدعاء بين الأذان والإقامة يرجى إجابته، ولذلك جعل الله أوقات الاجابة كثيرة، ليرينا أنه سبحانه يستجيب الدعاء، وهو الرحمن الرحيم.


بعد يوم عرفة، اطمئن، واهدأ، وطب نفسًا بأن الله سيكتب لك من الأقدار ما يكون خيرًا لك في دنياك، وقوة تتزود بها لآخرتك. لا يعجزه شيء، وهو القادر القاهر فوق عباده، وهو على كل شيء قدير.



نوره السبيعي

تويتر: alsubaiee_norah