سر السكينة الكبرى.. حين يكون العجز بوابة للقوة

٢٨ يناير ٢٠٢٦
-1
سر السكينة الكبرى.. حين يكون العجز بوابة للقوة

في دروب صراعاتنا اليومية، يقع الإنسان في فخ خفي ينهك روحه ويستنزف طاقته، وهو وهم الاستطاعة المستقلة؛ إذ نركض خلف أحلامنا ومسؤولياتنا ونحن نحمل على عواتقنا أثقالا من القلق، ظنا منا أن ذكاءنا وحسن تدبيرنا هما الضمان الوحيد للنجاة، والحقيقة التي تتكشف لنا بعد تعب مر هي أن أعظم أسباب الشتات النفسي تكمن في تلك الـ "أنا" التي تحاول أن تدير الكون بعيدا عن معونة خالقه. وإن التعب الذي ينهش أرواحنا ليس دائما بسبب ثقل الظروف، ولكن هو نتيجة محاولة بائسة لترتيب الحياة بالاعتماد الكلي على النفس، فعندما تعتقد أنك المسؤول الأول والأخير عن كل نجاح أو إخفاق، فإنك تضع قلبك في زنزانة ضيقة من الخوف، وتصبح كل عقبة في عينيك جبلا، وكل تأخير يمثل كارثة، لأنك ببساطة تستند إلى حولك وقوتك البشرية المحدودة والضعيفة.

وهنا تبرز الحوقلة كمخرج للصادقين، فحين يلهج لسانك بذكر الله وبـ "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فأنت لا تردد مجرد كلمات عابرة، ولكن أنت تمارس أعلى مراتب اليقين، وتعلن تجردك من حولك الموهوم لترمي بأثقالك في ساحة الغني القدير، وباستمرار ذكر الله في جميع يومك هو البيان الرسمي لسقوط الـ "أنا" المتعبة، واعتراف صريح بأن المحرك الحقيقي لهذا الكون والمغير للأقدار والجامع للقلوب هو الله وحده. ويغيب عن الكثيرين أن هذا الافتقار التام لله هو ذروة الاستغناء عن الخلق، فعندما تتبرأ من قوتك يفيض الله عليك من فضله وسكينته، والإنسان الذي يعيش هذا الفقه لا يخاف أمام الأبواب المغلقة لأنه يعلم يقينا أن الحول كله بيد الله وأن القوة منبعها الخالق لا المخلوق.


خلك على يقين أن الله لم يطلب منك أن تكون خارقا، ولكن أرادك عبدا صادق اللجوء، والقوة في الحوقلة والذكر الدائم تكمن في أنها تنزع عنك عبء التدبير المنهك، وتجعلك تسعى في الأرض ببدنك بينما روحك متوكلة على الله سبحانه وواثقة بأن ما عجزت عنه أنت سيفتحه الله لك بلمحة من أمره. وتحويل هذا الذكر إلى منهج حياة يتطلب منك التوقف عن المكابرة النفسية، فعندما تداهمك الهموم، بدلا من الغرق في التحليلات البشرية، قف وأعلن افتقارك التام لله بقلب حاضر، مؤمنا بالمدد الإلهي، وأملئ قلبك باليقين، فكلما صغرت في عين نفسك واعتصمت بربك عظمت معونته لك وجاءك الفرج من حيث لا تحتسب، فالسكينة لا تأتي لمن يظن أنه يملك زمام أمره، ولكن لمن أيقن أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بالله، فآوى إلى الركن الشديد الذي لا يضام من احتمى به.

—————

سلسلة معية الله : من اعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟