الصبر في الخفاء شعور عميق، لا يراه الناس، لا يلاحظونه، ولا يقدرون قيمته، ولكنه أعظم ما يمكن أن يثبت قلب الإنسان. كثيرًا ما نظن أن النجاح، أو الإحسان، أو الإنجاز، أو حتى الإبقاء على الإيمان يحتاج إلى شهرة، إلى ظهور، إلى إشادة، بينما الصبر الذي يخفيه القلب، الذي لا يلاحظه أحد، هو الصبر الحقيقي الذي يختبره الله ويكافئه، لأنه صادق، لأنه نابع من رغبة صافية، لأنه قائم على اليقين وليس على المظاهر.
كم مرة تحملت أعباءً داخلية لا يراها أحد، كم مرة صبرت على جرح لم يعرفه أحد، كم مرة ضحيت بصمت، ولم يسمعك أحد؟ هنا يكون الله حاضرًا، يراك، يعرف ما يثقل قلبك وما يرهقه، ويعطيك القوة لتستمر، لا لأن أحدًا سيكافئك، لكن لأنك بحاجة لأن تصمد، ولأن قلبك بحاجة إلى أن يتعلم الثبات في الخفاء قبل أن يكون مع العالم.
أحيانًا نشعر أن جهودنا بلا جدوى، وأن صبرنا غير مقدر، وأن الألم طويل بلا نهاية، بينما الحقيقة أن الله يثبت كل خطوة صامتة، يزرع في القلب قوة لا تُقاس، حكمة لا تُرى، صبرًا لا يره أحد إلا هو، لأنه يعلم أن الثبات الحقيقي لا يُبنى على المظاهر، بل على صدق النية، على استمرار الجهد، على قلب يعرف أنه محمي مهما بدا الطريق مظلمًا، وأن كل لحظة صبر، مهما كانت صامتة، تُضيف إلى صلابة الروح، وتُعلم القلب الاعتماد على الله وحده.
وحين يمر الزمن، وحين تظهر نتائج ما صبرت عليه، ستكتشف أن كل لحظة صبر خفي لم تذهب سدى، وأن الله كان يراك، وأنه كان يربّيك، وأن قلبك أصبح أقوى، أكثر وضوحًا، أكثر صدقًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة ما سيأتي لاحقًا، لأن الصبر في الخفاء هو تمرين القلب على التعلق بما لا يزول، وعلى اليقين بما لا يراه أحد إلا الله.
وهنا فقط، يدرك الإنسان أن صبره ليس مجرد تحمل، لكن معجزة صغيرة من الله في القلب، تثبتنا على الطريق، وتؤكد لنا أن ما نجهله في الظاهر لا يقل أهمية عما نراه بالعين..