أشد الناس ندماً يوم التغابن هم الذين قضوا أعمارهم دون أن يغتنموا لحظة واحدة للتقرب إلى الله، دون ذكر، دون استغفار، دون تسبيح، ودون أي عمل صالح يرفع درجاتهم. هم يشاهدون من حولهم تتضاعف درجاتهم عند الله، ويرون كيف أن أعمال بسيطة صادقة ارتقت بهم إلى مراتب لم يحلموا بها، بينما هم تركوا أعمارهم تمرّ هباءً، بلا تجارة مع الله، بلا قيمة تُحسب لهم، بلا أثر يبقى لهم في ميزانهم.
إن الفرق بين الدرجة والدرجة في الجنة، بين رفعة النفس ونور القلب، ليس بالأعمال الكبيرة فقط، لكن بالاستمرارية والنية والإخلاص. قراءة آية واحدة، تسبيحة صادقة، دعاء من القلب، استغفار، تحميد أو تهليل، كلها ترفع الإنسان درجات لا حصر لها، وتملأ قلبه نورًا لا يراه أحد إلا الله. ومن أهدر هذه الفرص، يأتي يوم التغابن ليُظهر لهم كم خسروا، وكم كان بإمكانهم أن يسبقوا الآخرين في درجاتهم، لو استثمروا أعمارهم في التجارة مع الله.
الله جعل التجارة معه بلا حدود: كل لحظة يمكن أن تتحول إلى عمل صالح يرفع من مكانتك، وكل ثانية ضائعة هي خسارة عظيمة لا تعوّض. وكلما فهم الإنسان هذه الحقيقة، شعر بالندم على ما فات، وبدأ يقدر كل دقيقة تمرّ في ذكر، ودعاء، وعبادة، وذكر لله، لأنه يدرك أن الوقت المستغل مع الله هو أغلى ما يملكه الإنسان، وأن من أهدره سيشعر بالحسرة حين يرى الآخرين يرتقون بما لم يستثمره.
الدرس واضح: العمر قصير، والفرص لا تُعوّض، وكل تجارة مع الله مفتوحة بلا سقف. لحظة ذكر، تسبيحة، استغفار، دعاء خفي… كل ذلك محسوب ويضيف إلى درجاتك عند الله. الفارق بينك وبين من ارتقى أمامك ليس كبيرًا في حجم العمل، لكن في الاستمرارية والنية والإخلاص والتقدير لكل لحظة.
لذلك، لا تنتظر غدًا لتبدأ، ولا تظن أن الوقت طويل… فكل ثانية تمرّ دون ذكر أو عمل صالح هي فرصة ذهبية ضاعت، وكل لحظة يمكن أن ترتقي فيها درجاتك مع الله هي تجارة لن تجد لها حدودًا إلا عند انتهاء عمرك. يوم التغابن ليس مجرد يوم حساب، بل درس عميق في قيمة الوقت، والفرص، والتجارة مع الله، وسبب لحسرة من أهدروا أعمارهم.