أحيانًا لا تكون مشكلتك أنك لا تدعو، ولا أنك لا تؤمن بالفرج، مشكلتك أعمق من ذلك: أنت تطلب الفرج.. لكنك ما زلت تمسك بكل شيء بيدك. تدعو، نعم. لكن داخلك مشدود، متوتر، خائف من أن يخرج الأمر عن سيطرتك. كأنك تقول: يا رب فرّج، وفي الوقت نفسه: لكن دعني أدير بعض من الأمور، تحسبًا. وهنا يبدأ التعب الحقيقي.
فالإنسان لا يُنهكه البلاء بقدر ما يُنهكه محاولة التحكم في ما لا يملك. تظل تفكر، تراجع، تحلل، تتوقع الأسوأ، ثم تعود فتدعو.. فتشعر أن الدعاء لا يغيّر شيئًا. ليس لأن الله لا يسمع حاشاه، لكن لأن قلبك لم يسلِّم بعد. التسليم ليس كلمة تُقال، ولا حالة مثالية يصل لها الأقوياء فقط. التسليم لحظة داخلية صادقة، حين تعترف بدون مقاومة أنك مؤمن وراضي بأقدار الله خيرها وشرها..
كثيرون يطلبون الفرج، لكنهم في الداخل ما زالوا يقاومون فكرة: ماذا لو لم يحدث كما أريد؟ وهنا بالضبط يقفون في نقطة الصفر. فالتسليم لا يعني الاستسلام، ولا يعني التوقف عن الأخذ بالأسباب، ولكن يعني أن يتوقف قلبك عن الشدّ، أن تتوقف عن مراقبة النتائج، أن تفهم أن دورك هو الصدق… لا التحكم. وحين تقول في داخلك بصدق: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث اصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
وهنا الفرق بين من يدعو ومن يُسلِّم: الأول ينتظر التغيير ليهدأ، والثاني يهدأ.. فيتحرك التغيير. فالفرج لا يأتي دائمًا كحدث مفاجئ، أحيانًا يأتي كطمأنينة تسبق كل شيء، كإحساس داخلي يقول لك: أنت الآن في المكان الصحيح، حتى لو لم تفهم بعد. وإن شعرت أن قلبك مثقل، وأن الدعاء الذي تكررته طويلًا لم يخفف ثقل قلبك، فتوقف للحظة، وادعِ بما أمر الله به، وبما علمه نبينا ﷺ. من القرآن: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" ومن السنة: "اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم" حين ترفع قلبك بهذه الدعوات، فأنت لا تحاول أن تنقذ نفسك وحدها، ولكن تسلِّم لرحمة الله وقدرته، فالله قريب، سميع، مجيب الدعوات، سبحانه.
————
سلسلة معية الله: من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟