مشروعك الأفضل في عشر ذي الحجة

١٨ مايو ٢٠٢٦
-1
مشروعك الأفضل في عشر ذي الحجة

قف لحظة.. واهدأ قليلًا مع نفسك. لا أريد منك قرارًا سريعًا، ولا حماسًا مؤقتًا، أريد منك أن تفهم معنى هذه الأيام قبل أن تمر عليك كما تمر غيرها. خذ بينك وبين الله عهدًا واضحًا الآن: أن لا تكون هذه العشر كأي وقت آخر، وأن لا تكون من الغافلين عنها، ولكن ممن يفتح الله لهم فيها باب الطاعة والتوفيق. لأن الطاعة ليست دائمًا مجرد اختيار كامل منك.. أحيانًا هي توفيق من الله يُلقى في قلبك دون أن تشعر. ترى غيرك يمر بالمواسم ولا يتحرك، وأنت قد يفتح الله في قلبك رغبة خفيفة، نية صيام، شوق لعمل صالح.. فلا تظنها شيئًا عابرًا. هذه قد تكون علامة أن الله أراد بك خيرًا، فإياك أن تضيّعها بالتأجيل أو الإهمال.


وانظر حولك قليلًا.. الناس في انشغالهم، في حياتهم، في تفاصيلهم، وكل واحد منهم يقترب من يوم سيقف فيه بين يدي الله، يوم لا ينفع فيه الندم، ولا الرجوع، ولا "ليتني فعلت". يوم يتمنى فيه الإنسان أن يعود لحظة واحدة فقط.. ليذكر الله، ليصوم، ليعمل عملًا صالحًا خالصًا. فلا تكن من الذين يعرفون قيمة الفرص بعد انتهائها. هذه الأيام ليست كثيرة، وقد تكون أنت اليوم في زمن لا يدرك قيمته كثير من الناس: باب مفتوح، وأيام فاضلة، وفرصة قريبة جدًا من الله.


فابدأ بالصيام، ولا تؤجله. واجعل نيتك لله وحده، واستشعر أنك تُقبل على عبادة اختارك الله لها، ووفقك إليها دون كثيرين غيرك. واستشعر وأنت صائم أن لك دعوة لا تُرد، لأن دعوة الصائم عند الله ليست كغيرها، ولكن هي باب مفتوح بينك وبين ربك. لا تقف عند الصيام وحده.. لأن هذه الأيام ليست عبادة واحدة تُؤدى وتنتهي، ولكن هي موسم تتعدد فيه أبواب القرب من الله. فإذا دخل عليك الليل، فقم ولو قليلًا، وقف بين يدي الله في وقت ينام فيه الناس، واستشعر أنك تطرق بابًا لا يُرد من أتى إليه بصدق، وأنك في لحظة خلوة قد يفتح الله لك فيها من الطمأنينة واليقين ما لا تجده في غيرها من الأوقات. وهذه العبادات كلها لم تُشرع لتثقل حياتك، بل لتخففها، لتقوّي قلبك، لتجعل أيامك أهدأ، ونفسك أقرب، وطريقك أوضح. لكنها في نفس الوقت حجة عليك، لأنك عرفت ورأيت وسمعت، ولم يعد لك عذر في أن تقول: لا أستطيع أو لا أجد وقتًا.


لأن الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس.. أن من يملك وقتًا للدنيا، يملك وقتًا للآخرة، لكن الاختلاف في التوفيق. وإذا صدقت النية، رأيت من نفسك قوة لم تكن تتوقعها، وكأن الله يفتح لك أبواب العون من حيث لا تحتسب، ويهيئ لك أسبابًا لم تكن في الحسبان. فصم لله، وامشي في هذه الأيام وأنت مطمئن أنك على باب خير عظيم. واستشعر أنك من الذين اصطفاهم الله لهذه المواسم، لا لأنهم أفضل من غيرهم، ولكن لأن الله أراد أن يقرّبهم. وأقبل على الله وأنت تعلم أن الصائم له دعوة لا تُرد، وأن هذه فرصة لا تُعوّض. ولا تقول: لا يوجد لدي وقت.. لأن من وجد وقتًا لكل شيء، سيجد وقتًا لله.. ومن صدق لله سبحانه.. سيجد أن الله يعينه، ويقوّيه، ويرزقه من الثبات ما لم يكن في حسابه.

———

سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟