هناك معنى خطير يحتاج المؤمن أن يفهمه مبكرًا.. ليس كل دعم تقدّمه يمر بلا أثر. قد تظن أحيانًا أن بعض المواقف بسيطة.. كلمة تقولها، إعجاب تمنحه، منصة ترفعها، فكرة تروّج لها، شخص تدافع عنه، أو طريق تساعد على انتشاره. وقد ترى الأمر مجرد مجاملة، أو انفتاح، أو مشاركة عابرة.. لكن المسألة أعمق من ذلك بكثير. لأن الإنسان لا يدعم شيئًا إلا ويعطيه جزءًا من حضوره، وجزءًا من تأثيره، وجزءًا من مكانته. وهنا اسأل نفسك بصدق: أين تضع هذا التأثير؟ ولمن تعطي هذا الدعم؟ وما الذي تساعد على انتشاره بين الناس؟ لان هناك أفكار تُبعد الإنسان عن الله، وهناك طرق تُضعف الإيمان، وهناك أشخاص قد يكون ظاهرهم نجاحًا أو تأثيرًا أو قوة، لكن ما يحملونه في الحقيقة يصادم ما تؤمن به، ويُضعف ما يفترض أن تحرسه في قلبك.
والمشكلة أن الإنسان أحيانًا لا يسقط في الانحراف مباشرة.. وإنما يبدأ الأمر بالإعجاب، ثم التبرير، ثم الدفاع، ثم الدعم، حتى يجد نفسه مع الوقت يرفع ما كان يفترض أن يحذر منه. وبل الأخطر من ذلك أن بعض المعاصي اليوم لم تعد تُعرض على أنها ذنب من الأصل.. بل تُقدَّم في قالب ضحك، أو محتوى خفيف، أو ترند عابر، أو خبر يحتاج نشره.. حتى يضعف إنكارها في القلب شيئًا فشيئًا. والقلب إذا اعتاد رؤية الباطل دون إنكار، لم يعد يراه كما كان يراه أول مرة.
ولهذا احذر الحذر الشديد من هذا الأمر..لأنك حين تعطي ولاءك، أو تأثيرك، أو حضورك لما لا يرضي الله، فأنت لا تصنع موقفًا عابرًا فقط.. أنت تصنع على نفسك حجة واضحة. وكثير من الناس يريح ضميره بجملة قصيرة: أنا فقط أتابع.. أنا فقط أنشر.. أنا فقط وضعت إعجابًا. لكنه ينسى أن كثيرًا من الباطل اليوم لا ينتشر بقوة أصحابه فقط.. ينتشر أيضًا بأيدي الذين أعطوه مساحة، ورفعوا وصوله، وساهموا في انتشاره. فقد يكون مقطعًا فيه معصية، أو موسيقى تُعاد آلاف المرات، أو صورًا تفتح أبواب فتنة، أو محتوى يُهوّن من الحرام، أو شخصًا يجاهر بما يغضب الله ثم يجد من يرفع وصوله ويزيد حضوره بين الناس.
فانتبه.. صاحب المعصية غالبًا لا يريد أن يبقى وحده. فالنفس إذا اعتادت الخطأ، تبحث عمّن يوافقها، ويخفف عنها شعور الذنب، ويجعل ما تفعله يبدو طبيعيًا. فلا تكن ممن يصفقون للباطل بتفاعلهم، ثم يظنون أنهم بعيدون عن أثره.. لا.. فأثر هذه المتابعات لا يقف عند الشاشة. مع كثرة رؤية الباطل، والضحك عليه، والتفاعل معه.. يبدأ القلب يفقد حساسيته شيئًا فشيئًا. ما كان يُستنكر بالأمس، يبدأ اليوم يبدو عاديًا. وما كان يحرك ضميرك، قد يمر عليك بعد فترة دون أن يهز فيك شيئًا. وقد يجد الإنسان نفسه بعد مدة يشعر بقسوة لم يفهم سببها.. يقوم إلى الصلاة لكن قلبه ليس كما كان. يرفع يديه بالدعاء لكن حضوره أضعف من السابق. يسمع ما يذكره بالله، لكن التأثر لم يعد كما كان. وهنا تظهر الخطورة الحقيقية.. ليس فقط في فعل الذنب، ولكن في أن يبتعد القلب عن الله بصمت، حتى يتغير الإنسان وهو لا يشعر.
فإذا أدركت هذا كله.. فلا يكفي أن تخاف من الفتنة، ولكن تعلّم كيف تحمي نفسك منها.
اولاً، احمِ نفسك بأن تراقب من يدخل إلى قلبك قبل من يدخل إلى قائمة متابعاتك. ليس كل شخص يستحق أن تراه كل يوم، وليس كل محتوى يستحق أن يتكرر أمام عينيك حتى يعتاده قلبك.
ثانياً، احمِ نفسك بأن لا تمنح إعجابك، أو وقتك، أو دعمك لكل ما يلفت انتباهك. لأن بعض الأشياء لا تدخل القلب دفعة واحدة.. ولكن تدخل بالتكرار، بالمشاهدة، بالاعتياد، حتى يضعف الإنكار شيئًا فشيئًا.
ثالثاً، احمِ نفسك بأن تسأل قبل كل متابعة، وقبل كل نشر، وقبل كل إعجاب: هل أرضى أن ألقى الله بهذا الأثر؟ هل هذا يقرّبني من الله.. أم يبعدني عنه وأنا لا أشعر؟
رابعاً، احمِ نفسك بصحبة تذكّرك بالله، لا بصحبة تُهوّن عليك المعصية، أو تجعلك ترى الباطل شيئًا طبيعيًا.
خامساً، واحْمِ قلبك بكثرة ذكر الله.. لأن القلب إذا امتلأ بالله، صار أبصر في معرفة الحق من الباطل، وأقوى في رفض ما لا يرضيه.
وتذكّر دائمًا.. ليست كل فتنة تُسقط الإنسان في يوم واحد.. بعض الفتن تبدأ من متابعة، ثم إعجاب، ثم اعتياد، ثم ضعف في القلب.. حتى يتغير الإنسان دون أن يشعر. فلا تنتظر حتى ترى أثر ذلك عليك.. احمِ قلبك من البداية. لأن بعض القلوب لا تُهزم في أول معصية.. وإنما تُهزم حين تعتاد رؤية الباطل دون إنكار.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟