حين يهاجمك القلق لا تتحاور معه

٧ مايو ٢٠٢٦
-1
حين يهاجمك القلق لا تتحاور معه

هناك شيء يمر به كثير من الناس دون أن يُنتبه له بالشكل الصحيح. وهو أن التعب الداخلي لا يأتي دائمًا من الأحداث الكبيرة، ولكن من طريقة تعامل الإنسان مع أفكاره الصغيرة. فكرة بسيطة تمر في الذهن، لكنها إذا أُمسكت وطُولت وأُعيدت أكثر من مرة، تتحول إلى قلق، ثم إلى ضغط داخلي، ثم إلى شعور يثقل القلب دون سبب واضح.


وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. ليس لأن الفكرة خطيرة، ولكن لأن الإنسان أعطاها أكبر من حجمها. والمفترض أن ليس كل فكرة تمر بك تحتاج أن تقف عندها. بعض الأفكار وظيفتها أن تمر فقط، لا أن تُناقش، ولا أن تُبنى داخل قلبك، ولا أن تتحول إلى ملف مفتوح في ذهنك طوال الوقت. تعامل معها ببساطة. كأنها شخص عابر في طريقك. مرّ عليك، سلّم عليك، ثم دعه يمضي. لا توقفه، لا تجلس معه، لا تسأله عن كل شيء. لأنك إذا فعلت ذلك، أنت الذي ستتعب، لا الفكرة. وهذا الأسلوب وحده يخفف الكثير من ثقل القلق، لأن جزءًا كبيرًا من المعاناة هو التعلق بالأفكار وإعطاؤها مساحة أكبر من حقيقتها.


ثم بعد أن تترك الفكرة تمر، لا تترك نفسك فارغًا معها، ولكن انتقل مباشرة إلى ما يقطع هذا الدوران الداخلي:


١- وهو ذكر الله سبحانه. مثل قول استغفر الله، الحمد لله، لا إله إلا الله. لأن القلب إذا اشتغل بذكر الله، خفّت مساحة الخوف فيه، وهدأ اندفاع التفكير. والاستغفار تحديدًا يذكّر الإنسان أن باب الرحمة مفتوح، وأن ما يثقل عليه لا يُواجه وحده، ولكن له رب يسمع ويعلم ويُدبّر ومع المداومة، ستجد أن الفكرة تفقد تأثيرها تدريجيًا، لأن القلب لم يعد يسكن فيها.


٢- يبقى باب آخر لا ينبغي أن يُهمل، وهو باب الدعاء في آخر الليل. في ذلك الوقت الذي يهدأ فيه كل شيء، وتخف فيه حركة الحياة من حولك، يبقى الإنسان أقرب ما يكون إلى نفسه، وأصدق ما يكون مع ربه. لا أصوات تشتته، ولا انشغال يسحبه، فقط هدوء يفتح مساحة مختلفة تمامًا داخل القلب. فاجعل في داخلك نية واضحة منذ البداية: أن كل ما يثقل عليك، وكل ما لا تفهمه، وكل ما يدور في ذهنك ولا تجد له جوابًا. ستضعه في دعائك في آخر الليل. كأنك تعطي عقلك أمرًا: ان لا داعي لأن تُكمل التفكير الآن، لا داعي لأن تُحل كل شيء في هذه اللحظة، سيأتي وقته في الدعاء. وحين يدخل عليك ذلك الوقت، تذهب بكل ما حملته دون ترتيب، دون شرح، دون محاولة لتجميل الصورة أو فهمها بالكامل. فقط تضعه كما هو وتدعي وتسلم امرك لله سبحانه.


وأنت في هذه اللحظات تنتقل من شعور أنك تدير كل شيء وحدك، إلى شعور أنك تلجأ إلى من بيده كل شيء. وهذا التحول وحده كفيل أن يخفف عن القلب ما لا تخففه كثرة التفكير. ومع الوقت ستفهم أن العلاج ليس في محاربة كل فكرة، ولكن في معرفة كيف تمر عليها دون أن تستقر فيك. تمر عليها مرور العابر، وتتركها تذهب، وتعود أنت دائمًا إلى ما هو أثبت وأرحم: ذكر الله ودعاؤه.

———

سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟