ليلة القدر ليست ليلة عابرة في الشهر، ولكن احتمال حقيقي أن تُكتب لك فيها بداية مختلفة تمامًا. نحن لا نتحدث عن أجر مضاعف فقط، ولكن عن ليلة يمكن أن تعيد ترتيب حياتك كلها. فيها تُقدّر الأقدار، وتُفتح أبواب، وتُكتب تيسيرات قد ترافقك سنوات طويلة. ولهذا كان السعي إليها ليس أمراً ثانوياً، ولكن ضرورة لمن فهم قيمتها. لهذا لا تتعامل مع العشر الأواخر كأيام عادية تنتظر بينها ليلة محددة. عامل كل ليلة وكأنها ليلة القدر نفسها. اجعل اجتهادك ثابتًا لا يتذبذب. الإنسان الذي يسعى كل ليلة بهذه النية يعيش حالة استعداد مستمرة، كأنه يقف أمام باب مفتوح لا يريد أن يفوته.
ولو قلت لك: قلّل من نومك في هذه الأيام، وقلّل من أكلك، لقلت لك نعم.. افعل. ليس لأن التعب مطلوب لذاته، ولكن لأن هذه الأيام العشرة أثمن من أن تمر براحة زائدة. الجسد يحتمل تعبًا قصيرًا، لكن الفرص التي قد تأتيك من ليلة واحدة قد تسهّل حياتك سنين كاملة. أي تجارة أعقل من أن تتعب قليلًا لتحصد طويلًا؟ الاجتهاد في هذه الليالي ليس سباقًا شكليًا، ولكن تركيز كامل للقلب. صلاة أطول، دعاء أصدق، قرآن بحضور أكبر. أنت لا تؤدي عبادات فقط، ولكن تطرق بابًا يمكن أن يغيّر مسار حياتك. وكل لحظة سهر لله، وكل جوع خفيف تحتسبه، يتحول إلى معنى أعمق: أنك تقدّم هذه الأيام على راحتك لأنك تؤمن بما وراءها.
تخيّل أن تخرج من العشر الأواخر وقد كُتب لك نصيب من ليلة القدر. معنى ذلك أن صفحة جديدة فُتحت لك، وأن بركة خفية بدأت تعمل في حياتك. ليس بالضرورة أن تراها فورًا، لكنها تظهر مع الوقت في تيسير الأمور، وهدوء القلب، وقربك من الله. لهذا تستحق هذه الليالي أن تُعاش بكامل طاقتك. اعتبر كل ليلة فرصة حياة جديدة، واجتهد فيها كما يجتهد من يعرف أن الباب قد يُغلق قريبًا. لأن من فهم ليلة القدر حقًا، لا يسمح لها أن تمر وهو نائم.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟