قرابة نصف شهرٍ من رمضان قد مضى، وقد أحسنت فيه، واجتهدت، ورفعت يديك غير مرة، وهذا فضل من الله عليك. فاحمده أن بلغك، وأعانك، وفتح لك باب الدعاء. لكن رمضان مسيرة تكتمل، وما بقي منه ميدان زيادة لا فتور. فإن كان لسانك قد اعتاد الدعاء، فليزدد إلحاحًا، وإن كان قلبك قد ذاق لذة القرب، فليثبت حتى تمام الشهر.
ومن أعظم ما يعينك على ذلك أن تعرف: متى تكون الدعوة أرجى للإجابة؟
لقد وعد النبي ﷺ أن للصائم دعوة لا ترد، وبيّن أهل العلم أن للصائم موطنين عظيمين:
أولًا: عند فطره.
لحظة الغروب، حين يكتمل صبر النهار، ويجتمع في قلبك معنى العبادة والانكسار، وهذه ساعة كريمة. فقبل أن تمتد يدك للطعام، أو مع أول لحظات الإفطار، ارفع دعاءك، وألحّ، واجمع حاجتك كلها في كلمات صادقة. لانها لحظة ختم عبادة يومٍ كامل، وخواتيم الأعمال لها شأن عظيم.
وثانيًا: طوال نهار الصيام.
من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وأنت في عبادة، ومع كل ساعة جوعٍ وصبرٍ لك وعد. بعد الفجر، في الضحى، بين الصلوات، بعد العصر، قبيل المغرب… كلها مواطن رجاء. أنت في عبادة ممتدة، ودعاؤك فيها أقرب وأرجى.
ثم تأتي ليالي رمضان، وسجودك في القيام، وثلث الليل الأخير، وهي مواطن عامة لإجابة الدعاء، تزداد شرفًا في هذا الشهر المبارك. فإذا علمت هذا، فاجعل دعاءك منظمًا لا عابرًا. لا يكن فقط عند الحاجة المفاجئة، ولكن اجعل لك في كل يوم موعدًا ثابتًا تفرغ فيه صدرك، وفي كل إفطار لحظة إلحاح، وفي كل سجود حديثًا طويلًا بينك وبين الله. واعلم أن إجابة الدعاء ليست صورة واحدة. قد تُعجّل لك المسألة، وقد يُدّخر لك خير أعظم، وقد يُصرف عنك من السوء بقدر دعائك، وفي كل الأحوال أنت رابح، مأجور، محفوظ الدعوة.
وتذكر انك أنت الآن أقرب مما كنت في أول الشهر. قلبك ألين، وروحك أصفى، ولسانك أعتاد الذكر، فلا تجعل هذا الصفاء يهدأ، ولكن اجعله يزداد عمقًا. اجعل النصف الثاني موسم إلحاح: ادعُ لدنياك وآخرتك، لأهلك، ولوالديك، لما تخاف، ولما ترجُو، وادعُ وكأن الإجابة أقرب إليك من ظنك. فرمضان يمضي سريعًا، لكن أثر الدعاء فيه يبقى طويلًا. فاختم كما بدأت، بل اختم بأفضل مما بدأت، ولتكن أيامك القادمة أصدق رجاءً، وأقوى يقينًا، وأشد تعلقًا برب كريم وعد بالإجابة.
ما دام في الشهر بقية..
ففي الدعاء بقية خيرٍ أعظم.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟