أنت الآن داخل موسم قد يغير ميزان حياتك كله

٣ مايو ٢٠٢٦
-1
أنت الآن داخل موسم قد يغير ميزان حياتك كله

تخيل أنك دخلت فترة من عمرك، الأيام فيها ليست كغيرها، والعمل فيها ليس كغيره، وحتى خطواتك المعتادة يمكن أن تُكتب بميزان مختلف إذا صدقت فيها مع الله. هذه ليست فكرة تحفيزية، هذه حقيقة شرعية يعرفها كثير من الناس.. لكن قليل من يتعامل معها بوعي كامل. فنحن الآن في الأشهر الحرم، أيام عظمها الله من فوق سبع سماوات، واختار لها مكانة ليست كغيرها. فإذا كان الله هو الذي عظم الزمان، فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا سنفعل في هذه الأيام؟ السؤال: كيف تسمح لنفسك أن تمر عليك هذه المواسم وأنت بنفس الغفلة، ونفس التأجيل، ونفس الانشغال الذي تعيشه في بقية العام؟ تأمل فقط في معنى بسيط عرفته منذ الصغر.. الحسنة الواحدة بعشر أمثالها. عمل صغير تراه بسيطًا في عينك، قد يُكتب عند الله بأجر لا تتخيله. حرف واحد من كتاب الله فيه أجر، فكيف بمن يفتح المصحف ويعيش مع القرآن كل يوم؟ كيف بمن يقرأ، ويتدبر، ويكرر، ويختم؟ كم حرفًا يُكتب؟ كم حسنة تُرفع؟ كم خطيئة تُمحى؟ كم باب خير يُفتح بسبب دقائق ظننت أنها عادية؟


المشكلة ليست أن الناس لا تعرف فضل الأعمال.. المشكلة أن كثيرًا منهم لا يشعر أن الوقت يمشي. يظن أن هذه الأيام ستبقى، وأن فرصة التوبة ستتكرر، وأن الحماس يمكن أن يعود متى أراد. لكن الحقيقة أن المواسم لا تنتظر أحدًا، والأيام التي تمر لا تعود. وأنت الآن في سباق.. سواء شعرت أو لم تشعر. الناس كلها تسعى، لكن الفرق في الوجهة. هناك من يستهلك يومه في ما ينتهي أثره بانتهاء اللحظة، وهناك من يفهم أن بعض الأيام قد تبني له صحيفة كاملة لو أحسن استغلالها. وتعلم أين التغيير الحقيقي؟ أن كثرة الحسنات لا تزيد رقمًا فقط.. هي تغير الإنسان نفسه ! لأن الطاعة إذا تكررت، تغير القلب. والقرآن إذا لازمته، ينظف داخلك. والدعاء إذا صدقت فيه، يبدل علاقتك بالله. والاستغفار إذا أكثرت منه، يكسر أشياء في النفس كانت تثقلها. ليست القضية أنك تجمع حسنات فقط.. أنت تعيد تشكيل حياتك كلها ! ولهذا لا تنظر لهذه الأيام على أنها مجرد وقت إضافي للعبادة. انظر لها كفرصة قد تنقلك من حال إلى حال. قد تكون ركعتان صادقتان، أو ختمة تبدأها، أو استغفار تداوم عليه، سببًا في فتح لم تكن تتوقعه، أو تيسير تأخر، أو ذنب يُغفر، أو قلب يعود للحياة من جديد.


لكن كما أن أبواب الأجر في هذه المواسم عظيمة.. فإن باب المحاسبة أعظم على من عرف ثم تساهل. لأن الأشهر التي عظمها الله ليست موسمًا للحسنات فقط، وإنما موسم يختبر فيه الله تعظيمك له. هل ستعرف قدر هذه الأيام فعلًا… أم ستعيشها بنفس التهاون الذي تعيشه في غيرها؟ وهنا ينتبه العاقل لأمر يخاف منه أكثر من ضياع الأجر.. وهو التهاون بالذنب. كثير من الناس إذا رأى حياته مستقرة، ورزقه مستمرًا، وأموره تمضي بشكل طبيعي، ظن أن ما يفعله لا أثر له. يخطئ، ويتجاوز، ويؤخر التوبة، ثم يقول في داخله: لو كان هذا الذنب خطيرًا لرأيت أثره الآن.


وهذه من أخطر الغفلات. لأن أثر الذنب ليس دائمًا أن تُسلب شيئًا تراه بعينك. أحيانًا يكون أثره أعمق من ذلك بكثير. قد يكون في قسوة تدخل قلبك دون أن تنتبه. قد يكون في فتور يصيب عبادتك. قد يكون في دعاء يتأخر، أو لذة طاعة تختفي، أو انشغال بالدنيا يزداد حتى يصبح القلب بعيدًا وهو لا يشعر. فلا تظن أن استقامة بعض أمورك تعني أن ما بينك وبين الله بخير دائمًا. الله يمهل.. لكنه سبحانه لا يُهمل ! والعاقل ليس الذي ينتظر العقوبة حتى يخاف، العاقل هو الذي يعظم الله قبل أن يجرؤ على معصيته. وفي الأشهر الحرم تحديدًا، هذا المعنى يجب أن يكون حاضرًا بقوة.. لأن من عظم ما عظمه الله، عظم حدوده، وخاف أن يلقاه بذنب كان يستطيع تركه، أو نظرة كان يستطيع غضها، أو كلمة كان يستطيع أن يصمت عنها. فإن كنت تريد أن تخرج من هذه الأيام بربح حقيقي.. ابتعد عما يفسد قلبك، وخف من الذنب كما تطمع في الأجر.. لأن القلب الذي يخاف من الله، هو القلب الذي يعرف قيمة هذه المواسم حقًا.

———

سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟