يقول ابن تيمية رحمه الله: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه.
الحسد متأصل بالإنسان، وسترى أن للحسد سلمًا، فهو درجات، يصل إليه بعض الناس إلى أعلى الدرجات، وبعضهم لا يستطيع بلوغه أو حتى الوقوف عنده.
لكن عليك بأمرين في حياتك، وليكن هذان من ديدنك وطبعك، وحتى لو هيأت لك أسباب طبخه أمامك، وقلب إليك الأمر كما يقلب الطعام بالقدر، فأطفئ النار وأخمد لهيب عقلك.
- أولاً:
لا تقارن حياتك بأقرانك أو بين أهلك: فالله قدر لكل واحد منا (اختبارًا وابتلاءً، فضلًا وعطاءً)، من تراه في خير وسعة وفضل من الله، قدر له اختبار وابتلاء لا تعلم به، إنما هو بينه وبين الله، قد يكون فضل الله عليه في أول عمره، وقد يكون ابتلاؤه في شبابه. ومنهم من يكون شبابه في خير وسعة، ويكون له اختبار وابتلاء في آخر عمره.
الابتلاء والاختبار ليسا دليل محبة من الله أو غضبه، إنما هما تحميص للمؤمن، ورفعة في الدرجات، وتهذيب للنفس، وزيادة في الإيمان.
إذا شعرت أنك محروم من أمر أو رزق، فارفع يديك إلى الله. فهذا هو الاختبار: أن يرى الله في قلبك التوحيد، وأن تعلم أن الخير يجلبه الله، وهو الذي يرفع عنك الشر.
ما كان هذا الابتلاء إلا لتبلغ هذا الوعي، ويزداد لديك البصيرة في فهم الحياة، وأن توزيع الأرزاق بيد الله.
- ثانيًا:
الله يريدك أن تكون منشغلًا بنفسك، لا بما عند غيرك أو بما ليس عندك. كلما كنت كبيرًا بنفسك، وسعيت في الدنيا بالحلال، وأرضيت الله بالطاعات، تبدد الحسد في قلبك، وصغرت الدنيا في قلبك. ليس زهدًا بها، كلا، وإنما ازداد يقينك أن الله هو المقدر للأمور، ولا يعجزه شيء.
ولو قلت في نفسك: سأملك كذا، وسأبني مسجدًا، وسأحصل على كذا. وأنت تعلم أنك لن تبلغها بجهدك ولا بحرصك، إنما بتوفيق من الله وإلحاح عليه بالدعاء، لغدوت تملك الدنيا بمفاتيحها. فأنت إذا أردت شيئًا، علمت أن ما تطلبه من عند الله، ولا تتكل على نفسك ولا على الناس، إنما هو طريق واحد: أن تطلبه من الله.
الله أمرنا بالسعي في الدنيا، والقيام بالطاعات، والتعلم وزيادة العلم، وكلها أعمال صالحة تصب في ميزان الأجور. عندما تسعى إلى أمر بالتجارة، وقلبك متوكل على الله وحده، تصيب هنا وتخطئ هناك، وتكمل الطريق، لا تلتفت إلى نفسك، بل تشد على قلبك باليقين أن الله هو الرازق المقدر، وما كان هذا السعي إلا عملاً ومأجورًا عليه.
الساعي مع الدعاء ليس كمن يتمنى على الله الأماني ولا يعمل.
الحاسد لم يعمل ولم يسع، هو يريد، لكنه يشعر أنه محروم، وهذا الظن هو سوء الظن بالله عز وجل.
لذلك في حياتك لا تلتفت إلى الأقران والأهل والأصحاب. أسعى ودع الله يراك، واجعل نصيبك من العلم وافرًا، وتحرك في طلب الرزق، واعمل بجوارحك، ولا تعتبر الخطأ والخسارة علامات على التوقوف، إنما هي اختبارات من الله ليرى منك صدق نيتك، وحسن ظنك بربك، ورضاك عن قدره.
واعلم أن الحاسد لئيم، فكيف تتخذه صديقًا؟ أبعد الحاسدين عن دربك، واهجرهم هجرًا جميلاً. لقد بلغ منه العجز عن السعي، والأصرار على أن يؤخذ برأيه في توزيع الأرزاق في الدنيا. لا يرتاح في ليله، ولا تسمع منه استغفاراً ولا ذكرًا لربه. جحد النعم وكفر بها، وأصر على التخريب في الأرض وبين البشر.
تعرف صفاتهم:
- منقطع عن أهله أو أصحابه، بالكاد يراهم أو يلقاهم.
- لا تجده ظلًا لك عند الفرح أو الإنجاز، ودائمًا على لسانه الأعذار والأوهام.
- يطيل النظر إليك، يسأل عنك ويجيب بنفسه، ولا يستطيع أن يسمع همسات لسانك.
- قد تجده من أهل الحاجة، وقد تجده من أهل الغنى، فالحاسد ليس دليل الفقر ولا غنى، بل هي أخلاق تعاظمت منذ الصغر.
- كل محاولاته في إسقاطك تفشل، فهو لم يكن يومًا ذكيًا ولا حاذقًا، وغاية ما يصل إليه تشويه صورتك أمام الناس، أو تحذيرهم منك. وكل الناس تعلم من هو النمام، ومن كان لسانه خائنًا مثله.
إحساسك بإنه هو الحاسد لا يخيب، وما يخبرك به القلب أصدق، لذلك اطمئن: الأقدار بيد الله، والحكم حكمه، فتوكل على الله، واسأله من واسع فضله.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah