هذه الليلة نحن مقبلون على العشر الأواخر، وهي من أفضل الليالي في السنة. ولا يهمك ولا تغتم بما حصل لك من صوارف أو أعمال في بداية رمضان؛ فقد رأيت في السنوات الماضية من فتحت عليهم أبواب الطاعات والثبات في العشر الأواخر دون حول منهم ولا قوة، ولا أعلم ما بينهم وبين الله حتى تفتح لهم الأبواب وتتيسر لهم العبادات، حتى سمعت الشيخ عبدالله القصير رحمه الله يقول: أن ليالي العشر تبارك الأوقات وتفتح للمحسنين، ثم للمؤمنين، ثم للمسلمين.
قد تريد أمرًا من الدنيا تناله، وقد تتوق نفسك إلى كثير من الهبات من الله، فلا تخجل ولا تستح من الله، بل أكثر من سؤال زينة الدنيا، واطلبه من الله، واختر دعواتك بعناية، واجعل نيتك أن تكون النعم في الدنيا عونًا لك على الطاعة وعلى الطريق إلى الجنة.
[ أنوي الخير من الآن ]:
يا رب هب لي زوجة تكون رفيقة لي بالجنة، رب هب لي الذرية الطيبة العابدة المطيعة لك، رب ارزقني الحلال من التجارة وأعني على أداء زكاة مالي.
(وأنت أعرف بما تريد وبما تتمناه، فارفع سقف طموحاتك، وأطلب من الله ما يحبه ويرضاه، وأن يكون مباركًا لك وفيه كثير من الصلاح.)
تذكر نفسك المتعبة المرهقة طول السنة، كتمت كثيرًا، وصبرت على من لا ذمة له ولا ضمير، وتنازلت ليس ضعفًا منك، كلا، أنما لأنك تريد العوض والجبر من الله.
أتنسى حين زارك الحزن في ليال عدة وكان الله يجتبيك دون حول منك ولا قوة؟ فإذا بعد هذا كله تنسى؟ ادعُ الله واطلب منه أن يشرح صدرك، ويجعل نفسك مطمئنة راضية قانعة، فالله قادر قاهر، وهو الرحيم اللطيف بك.
ولا تظن أن النفس إذا ضاقت وتكدرت وحزنت أنها لا تفرح بعد ذلك ولا يطيب حالها؟ إن النفس بعد الفرج واستجابة الدعوات قد تشعر كأن العمر قد تجدد، وكأن العقل والقلب قد استراحا من شدة حلاوة الأيام وفرج الله الذي يأتي في الميعاد. فاطمئن، ولا تنس نفسك في هذه العشر.
تذكر الآخرة، وتمسك بالطاعات كمن يتمسك بسفينة في بحر والأمواج فيه كالجبال، أتفلت يداك ثم تغرق في زحام الدنيا وهمومها ومرارتها؟
إذن ادعُ الله أن يهب لك الفردوس الأعلى. ولا تقل من أنا حتى أطلب؟ فقد قال الرسول ﷺ للصحابة إن من بعدهم قومًا يعطون أجرًا عظيمًا عند التمسك بالدين في زمن الفتن، وذلك لأن النبي ﷺ يعلم أن زمانًا سيأتي تكثر فيه الفتن، ويكثر فيه انشغال الناس بالدنيا، فالثبات فيه أجر عظيم، وهذا من جود إحسان الله علينا ومن كرمة، ولله المستعان على هذا الحال.
اطلب من الله حسن الخاتمة، وأن تموت على التوحيد، وأن يكون آخر كلامك من الدنيا: لا إله إلا الله.
وأسأله أن يجعل في قبرك نورًا ويوسعه لك، وأن يحفظك من أهوال يوم القيامة، وأن يجيرك من النار. واجعل دعائك في كل الأوقات في هذه الليالي: اللهم إني أسألك العتق من النار.
وتذكر أن المتكبرين على الله يثقل على ألسنتهم الاستغفار، فكلما هممت بعمل فاستغفر الله، وخاصة بالأسحار. دعواتك ثمينة جدًا، فأكثر منها، واطلب الغفران والعفو عما فات، واستكثر من الاستغفار في قيامك وقعودك.
وإن مرت هذه الليالي وكانت الأدعية ثقيلة على لسانك بسبب أفكار أو خواطر ينفثها الشيطان في قلبك، فاستغفر الله وارجع إليه، وفر إلى الله بقلبٍ محسن الظن به، قد تقول في نفسك: لماذا هذه الليالي مضاعفة؟ ولماذا ليلة القدر خيرًا من ألف شهر؟ فالله خلق أقوامًا سبقونا وكانت أعمارهم طويلة، تصل إلى ألف سنة، كقوم النبي نوح عليه السلام، فحكمة الله بالغة أن جعل لهذه الأمة مواسم عظيمة تتضاعف فيها الأجور، رحمة بهم وتيسيرًا عليهم.
دعواتك هي أثمن ما تملك، فلا تفرط بها، ولا يدخلك الشيطان بخواطر أن ما تطلبه محال، واعلم أن كيد الشيطان ضعيف؛ فهو لا يملك سلطانًا عليك، وإنما الأمر بيدك، تسعى وتجاهد، فاعمل الطاعة وأنت متوكل على الله، لا على نفسك ولا على قوتك.
لا تلتفت إلى أحد، ولا تنظر إلى الخلف، اذهب إلى المسجد ولازمه، وتمسك بالعبادة كأنها ستفلت منك، فأمسك بها بقوة، فإن كثرة الملهيات والمباحات قد تفلت خيوط الطاعات في ليال دون أن يشعر الإنسان، لذلك في كل ليلة شمر عن ساعد الطاعة، وأقبل على الله، وتذكر أنها ليال قليلة وأجرها عظيم.
ولا تتحر الليالي الفردية وتترك غيرها، فإن النفس إذا اعتادت الراحة خانت صاحبها في الأوقات الهامة.
أسأل الله أن يجعلنا جميعًا، ومن قرأ هذا المقال، من الذين صدقوا مع الله فتقبل منهم صالح الأعمال، وممن فازوا بقيام ليلة القدر بالطاعة والأيمان، وكثرة قراءة القرآن.
نوره السبيعي
X: alsubaiee_norah