كم من بيننا يشعر أنه متأخر عن أقرانه، يتذكر طموحاته وسعيه، ولم يصل إلى أهدافه، وكم من نفسٍ تتوق إلى حالٍ تطيب به الروح وتهدأ روعاتها.
الحياة لا تعاندك! ولست متأخر عن أقرانك.
الحياة قدرها الله جل علاه فوق سبع سماوات، ولا نملك نحن جلب الخير لنا ولا دفع الشر عنا إلا بإذنه ومشيئته، ولا يوجد حال محال على الله، ولا يصعب على تقديره وأن يجعله من نصيبك. لكن، هل فهمت الحكمة من أن بعض الأقدار لم تصل إلى عتبة بابك؟
الله عز شأنه وتقدست أسماؤه، قدر لكل إنسان اختبارًا وابتلاءً، ويسرًا وسعةً وخيرًا عظيمًا، لست محرومًا، ولست عاجزًا عن أقرانك، أنت لم تنتهِ من اختبارك، والله يراك ويسمع صوتك ويعلم ما يدور في قلبك. لم يأخذك بذنبك، وكان حليمًا معك.
تأخير المقادير هي رسالة لك: أن تسلم التسليم التام لله، وأن ترفع يديك في وسط هذا التسليم وتطلبه من الله، وألا تتنازل عن رغباتك وطموحاتك. البعض يظن أن التسليم هو تزهد في الأمر وتركه، كلا، إنما هو إيمان صادق وشديد أن الأمر بيد الله، وأنه هو الذي يجلبه لك، وهو القادر أن يرفع عنك ما أصابك من شر، وهو الذي تسأله وتتوسل إليه بالدعاء والطاعات والذكر وكل ما يحبه الله ويرضاه.
عندما ترفع أمنياتك وطموحاتك إلى الله، وتمضي وأنت سعيد أن الأمر لم يصل إلى إنسان ولا جهة ولا عزوة، وإنما رفعته إلى السماء، وهو بيد الله، تمضي وأنت مطمئن: لم يفتك شيء، ولم يتأخر، ولم تعاندك الحياة، ولم تخاصمك الأقدار.
تمضي وأنت تدعو الله، ويزداد عندك التوكل، وتتذكر نفسك قديمًا فتقول: لم أكن أحسن الظن بالله سابقًا، لكن الآن تغيرت، وزادت بصيرتي، وعلمت أن ما عند الله لا يضيع ولا يخيب.
تتغير روحك وتصبح خفيفة، وتتذكر ما كنت ترجوه، وتشعر أنه قريب منك، لكن لا تعلم متى سيصل إليك، كلما تأخر سنة، أو سنتين، زاد حسن ظنك بالله، وقلت: والله لعلها من كبر العطية وثقلها. لأنك عندما تتأخر عن أقرانك، تعلم من حسن ظنك بربك أن القادم هو الخير الأعظم.
لم تزهد بالطاعات، بل كان لك ركعات خفيفات في الليل، تعلم في صميم قلبك أنها ركعات يسيرة، لكنك تثق أنها تثبتك على الطاعة. وازداد إيمانك أن الطاعات والقربات إلى الله ليست أماني، إنما هي غايات تسعى لها، وتعلم أنه كلما ثقل ميزانك عند الله، أتتك البشائر والعطايا أثقل.
كل ما نظرت إلى حالك في السنة الفائته، قلت: حالي الآن أفضل. أكثرت من الذكر، وجعلت بينك وبين القرآن عهدًا ووصالًا كل ليلة، وحتى لو ألقى الشيطان عليك الخواطر: أن ما تقرؤه يسير، فكيف تطلب من الله أمرًا عظيم؟ كنت تعلم أن الله هو الخالق، وأنه لا يعاملك بالمثل، وأنه حين يرى صدق نيتك، يعلم أن جوارحك ستعمل معك.
الجوارح لا تقوم من الليل، ولا تلقب صفحات القرآن، ولا تذكر الله، إلا إذا سمعت ما وقر في قلبك. فهي تسمعك وأنت تناجي الله، وتقول: ضاع مني الكثير، لكني مطمئن أن الله يراني ولن يخيب رجائي. هي تسمع! [ وتتحرك معك، فهي جيشك الوحيد. ] آمنت بك، وكانت تسمع ما كان بين العقل والقلب من خصام، ومن ندم على فوات الطاعات، كانت تبكي معك، وتخاف! قد يكون بعض الوعظ اللذي أسمعتها قد أيقظها، فقامت معك!
تخيل لو بعد خمسين سنة من الآن، هل ستلتف إلى أقرانك؟ هل ستقول: ضاع مني الكثير؟ لا والله، ستقول: الحمد لله الذي بلغني هذا العمر على الطاعة، وهداني، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله.
ستلفت بعد خمسين عامًا، فتجد أن طموحاتك وأمنياتك تحققت، لا بذكائك ولا بفطنة عقلك، وإنما حين أقبل عليك عمر الشباب، وتأخرت أقدارك، لجأت إلى الله، فزاد إيمانك.
[ علمت أن تأخر الأقدار لم يكن يومًا عنادًا لك، إنما كان سببًا لهدايتك، فاصطفاك الله من أقرانك، وأنزل في قلبك الإيمان وصدق التوكل عليه ].
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah