تأتي الليالي الأخيرة من العشر الأواخر من رمضان وكأنها خلاصة الشهر كله. الأيام مضت سريعًا، لكن هذه الليالي القليلة تبقى كأنها فرصة أخيرة لمن أراد أن يزداد قربًا، ويضاعف رجاءه، ويكمل ما بدأه. وفي هذه الليالي يكثر الدعاء، وهو خير ما يملأ بها القلب واللسان. يسأل العبد ربه رزقه، وفرجه، وصلاح دنياه، وكل ما يتمناه، وهذا خير؛ فالله يحب أن يُسأل، ويحب أن يرى عبده يرفع حاجته إليه.
لكن من فقه الدعاء في هذه الليالي أن لا يقف دعاؤك عند حدود الدنيا فقط. كما تسأل الله سعة الرزق، اسأله سعة الطريق إليه. وكما تسأله الفرج من همومك، اسأله النجاة يوم تقف بين يديه. وكما تدعو أن يصلح الله شأن دنياك، ادعُ أن يثبت قلبك حتى تلقاه. فكم من إنسان أُعطي من الدنيا ما أراد، ثم خسر ثبات قلبه، وكم من عبدٍ لم يكن يملك الكثير من الدنيا، لكنه خرج من هذه الحياة بقلبٍ ثابت، فكان ذلك أعظم فوزه.
ولهذا كان من أعظم ما يُطلب في هذه الليالي: الثبات. الثبات على الإيمان، والثبات على الطريق، والثبات حين تتغير الأحوال، أو تكثر الفتن، أو تتقلب القلوب. فالليالي الأخيرة من العشر الأواخر فرصة أن تسأل الله كل شيء: أن يفتح لك أبواب الخير في دنياك، وأن يجعل نصيبك من الآخرة أعظم. فلا تنسَ وأنت ترفع يديك أن تسأله صلاح دنياك، وصلاح آخرتك، وأن يثبت قلبك حتى تلقاه.
فالدنيا تُطلب، لكن الآخرة تُبنى، والعاقل من جعل دعاءه يجمع بين الاثنين. فاجعل في دعائك رزقًا، وفرجًا، وطمأنينة، لكن اجعل في قلبك قبل ذلك كله ثباتًا لا يزول. فرب دعاءٍ في هذه الليالي لا يغيّر يومك فقط، ولكن يثبت طريق عمرك كله.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟