قد تصل أحيانًا إلى مرحلة لا ترى فيها أي مخرج. كل شيء يبدو ثابتًا في مكانه، لا يتحرك، لا يتغير، وكأن حياتك توقفت عند هذا الحد. تحاول أن تقنع نفسك أن الأمور ستتحسن، لكن داخلك لا يصدق، لأن الواقع أمامك يقول العكس. فتبدأ فكرة خفية تكبر فيك: ماذا لو لم يتغير شيء؟ ماذا لو بقي هذا الحال كما هو؟ هذا الشعور لا يأتي لأنك ضعيف، وإنما لأنك نظرت للحظة وكأنها كل القصة. وكأن هذا الظلام هو الحقيقة الكاملة، لا مرحلة داخل طريق أطول. والمشكلة هي ليست في شدة ما تمر به فقط، ولكن في أنك بدأت تبني عليه حكمًا نهائيًا، فتضيق نظرتك، ويتسلل اليأس دون أن تشعر.
ولو تأملت قليلًا في حياتك نفسها، ستجد أن هذا الإحساس مرّ عليك بشكل أو بآخر. أوقات كنت تظن أنها لن تنتهي، ثم انتهت. مواقف ظننت أنك لن تتجاوزها، ثم تجاوزتها. لم تكن تملك الإجابة حينها، ولم يكن عندك وضوح، ومع ذلك تغيّر كل شيء. فمن الذي غيّر ذلك كله؟ ليس فهمك، ولا قوتك، ولا توقيتك.. وإنما تدبير لم يكن ظاهرًا لك. وهذه هي الحقيقة التي تغيب عنك الآن: أن الذي أخرجك من قبل، ما زال يدبّر لك الآن، حتى لو لم ترَ كيفك. فأنت ترى ما أمامك فقط، لكن ما يُهيأ لك، وما يُصرف عنك، وما يُرتب لك في الخفاء.. خارج نطاق رؤيتك. فتظن أن الطريق متوقف، مع أن فيه حركة لا تُدركها.
والخطأ يبدأ حين تربط طمأنينتك بوضوح النتائج. تنتظر أن ترى التغيير حتى تهدأ، وأن تشعر بالتحسن حتى تثق. لكن الطمأنينة لا تُبنى على ما سيحدث، وإنما على من بيده ما سيحدث. فإذا كان الله هو الذي يبدّل الأحوال، ويكشف ما يثقل عليك، ويخرجك من الضيق إلى سعة، فغياب النتيجة الآن لا يعني غياب الفرج، وإنما يعني أن توقيته لم يأتِ بعد. وعند هذه النقطة يتحدد موقفك الحقيقي.. هل ستبقى واقفًا تنتظر أن تتغير الظروف حتى تتحرك، أم ستفهم أن المطلوب منك ليس رؤية النتيجة، ولكن الثبات على الطريق؟ فالتوكل ليس انتظارًا، ولا تعليقًا للأمل على لحظة يتغير فيها الواقع، التوكل أن تمضي بما تستطيع، وأن تُحسن العمل بما بين يديك، وفي داخلك يقين أن ما لا تراه الآن يُدبَّر لك على وجهٍ أدق مما تتخيل. فأنت لست مطالبًا أن تغيّر كل شيء، ولا أن تُحيط بكل ما سيحدث، ولكن أن تبقى متصلًا بالله، وأن تستمر في السعي الذي يرضيه، وألا يتوقف قلبك لمجرد أن الطريق لم يتضح بعد.
فالتوقف في هذه المرحلة فخ يتكرر.. يظن الإنسان أن غياب النتائج يعني أن ينتظر، أو يؤجل، أو ينسحب حتى يفهم. وفي الحقيقة، يعلّق نفسه في مكان واحد، لا يتقدم فيه ولا يخرج منه. بينما الطريق مختلف تمامًا: أن تعمل وأنت لا ترى، أن تلتزم وأنت لا تشعر، أن تُحسن وأنت لا تجد أثرًا مباشرًا، لأنك لم تعد تربط عملك بما يعود عليك فورًا، وإنما بمن تعمل له. وأنت لا تنتظر.. أنت تُبنى. تُبنى في علاقتك، في ثقتك، في طريق تمشيه حتى لو لم ترَ نهايته. استمر.. ليس لأن الطريق واضح، ولكن لأن وجهتك واضحة.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟