ولم يكن الضيق صاحبك، ولا الهمُ من رفقائك.
لكنك تحزن وتغتم، والأمر عندك محال، وأحيانًا تقهر بين الوجدان. لكن عليك فهم الأسباب حتى تخرج منه دون خسران، فتأمل معي هذا، وأسأل الله أن يفتح علينا بالفهم والإدراك:
أولاً: الحزن مشاعر أصيلة، لأنك لم تنس ما مضى من الأزمان، وتتذكر طموحاتك وسعيك ولم تبلغه حتى الآن، وقد يكون بسبب مكرٍ أو غدرٍ لاحقك عبر الأعوام. وتتذكر طموحك وما تتوق له نفسك عبر الوجدان، لكنك لم تحقق المرغوب ولم تزهد في المطلوب. [ نعم، لم تزهد ولم تستسلم ولم تيأس، ومازلت تريد. ] فهنيئاً لك هذه المنزلة من الإصرار، وقد تكون في الحقيقة بالغت في الطموح، لكن كل ما عليك الآن هو أن تفارق الحزن مع الإصرار دون تأجيل أو قنوط.
ثانيًا: الحزن الذي طال عبر السنوات، [ يقول لك: أنت سألت كثيرًا لكن لم تلق الإجابات، ولو تأملت قليلاً أو كثيرًا لوجدت الإجابات، ثم ودعتك أنا من أول الاشارات. ]
نعم، هو يقول لك أكثر مما تظن، وما عليك إلا أن تودعه عند أول محطة، لتصل إلى دار الوعي والبصيرة، وتضع أمتعتك من التسليم، وحسن الظن بالله، والرفقة الصالحة، والتوكل، والاطمئنان، والرضا بالأقدار.
ثالثاً: أحيانًا أسئلتك منطقية، وقهرك مع حزنك له أسبابه ولا تلام. لكن الله جل علاه، وعز شأنه، وتقدست أسماؤة، ما كان ليكتب لك هذا القدر كي يضعفك أو يقهرك أو يذيب مشاعرك دون دليل.
هذه المشاعر هي ما يقوي سواعدك لتكمل الطريق، وهي ما تجعلك ترى الناس بعين الحكمة لا الرحمة، وهي ما تجعلك أقوى، لا لأنك لست قويًا كفاية، إنما لأن في حياتك محطة أخرى، ستكون فيها النور والتمكين الذي كتبه الله لك من واسع فضله وجود كرمه وإحسانه عليك منذ أن رفعت يديك إلى الله.
أحيانًا لا نحتاج كلامًا يفسر لنا المشاعر، ولا كتبًا تنير لنا الطريق، إنما سؤال واحد تسأله لتسمع الجواب من أناس فرّج الله همومهم وفتح عليهم من السعادة والهناء بعد أن مكث الحزن لديهم في دورهم دون خروج.
اسمعهم، فهم أصدق الناس، وسيقولون لك: لم نكن نظن أن غيمة الهموم سيغمرها السحاب، وأن الفرج سيهطل علينا قبل المغيب. لم نكن إلا أناسًا رفعنا أيدينا إلى الله بالدعاء، وألححنا عليه أن يبدل الحال، فأتتنا الحلول ثم البشائر، حتى أصبحنا في نعيم.
عندما تطلب من الله بالدعاء أن يرفع همك ويزيل عنك حزنك الذي طال بك، سيستجيب الله بلطفه، ولا يرد من سأله أو لجأ في حماه، وسيعلمك الله ويلهمك الأجوبة، وسيبعد عنك أهل الشر الذين كانوا يحجبون عنك الفهم والأسباب، ويدبر أمرك، ويتكفل بمؤنة طريقك، بل ويغنيك.
لا تزهد بالدعاء، ولا تظن أنه عمل صغير وأثره ضئيل. إنما هو عمل عظيم لا يوفق له إلا من أراد الله به خيرًا في الدنيا والآخرة. ولا تكثر التفكير بالحزن والهموم، فإنها ستودعك عندما يإذن الله ويستجيب دعاءك ويرفعها عنك.
كلها ستمضي، وهذا وعد الله، وإن وعده لا يخيب.
أنصحك بقراءة هذه المواضيع (اضغط على الموضوع):
٣- ماذا يقال لهم لمن طال عليهم البلاء.
٤- أقدارك لم تتعطل.
٦- بعض الناس تجاوزتهم الأقدار، أما أنت فما زلت عالقاً.
٨- لماذا طالت الشدة وغيري في نعيم.
١١- لولا الله لما تحملت الشدة يومين.
١٢- روحك قد شابت من كثرة الأقدار.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah