هناك لحظات في حياة الإنسان يشعر فيها أن كل شيء توقف. مرض مفاجئ، علاقة انتهت، وظيفة لم تُقبل فيها، أو مرحلة تعبت حتى وصلت إليها ثم وجدت نفسك عالقًا. في تلك اللحظة، يتسلل إلى داخلك صوت هادئ لكنه خطير: هذا هو حدك.. هنا تنتهي قصتك. وكثير من الناس لا يسقطون بسبب المصيبة نفسها، ولكن بسبب الفكرة التي يبنونها حولها. يبدأ الإنسان يختصر حياته في حدث واحد، ويقنع نفسه أن ما تبقى مجرد أيام تُعاش بلا معنى. المريض قد يظن أن صحته السابقة لن تعود، فيتعامل مع نفسه كأنه انتهى. والمنفصل قد يرى أن صفحة كاملة أُغلقت، فيظن أن الكتاب كله أُغلق معها. والذي رُفض في وظيفة يربط قيمته بباب لم يُفتح. لكن الحقيقة التي تحتاج أن تواجهها بشجاعة: حياتك أكبر من أي مرحلة تمر بها.. فأنت لست مرضك، ولا رفضك، ولا خسارتك. هذه أحداث تقع في حياتك، لكنها لا تملك الحق أن تعرفك أو تحدد سقفك.
والإنسان بطبيعته يكره أن يكون قليلًا، وهذا الشعور في أصله ليس عيبًا. هو جزء من الفطرة التي تدفعك للسعي والنمو. المشكلة تبدأ حين يتحول الإحباط إلى استسلام، وحين تقنع نفسك أن ما وصلت إليه هو أقصى ما يمكن أن تكون عليه. هنا لا تكون واقعيًا.. أنت فقط تضع سقفًا منخفضًا فوق رأسك ثم تعيش تحته. فتأمل كيف يعمل الله في حياة الناس: كثير من الأبواب التي أُغلقت لم تكن نهاية، ولكن تحويل مسار له. فكم من شخص ظن أن حياته انتهت عند خسارة معينة، ثم اكتشف بعد سنوات أن تلك اللحظة كانت بداية طريق لم يكن ليراه لولاها. نحن نحكم على اللحظة ونحن بداخلها، لكن الله يرى الطريق كاملًا. وهذا لا يعني إنكار الألم أو التظاهر بالقوة. الحزن طبيعي، والتعب مفهوم. لكن الفرق بين من يتوقف ومن يكمل هو فكرة واحدة: هل ستتعامل مع هذه المرحلة كخاتمة، أم كفصل من قصة أطول؟ حتى في أضعف حالاتك، ما زال هناك شكل من السعي ممكن. المريض يسعى في الصبر والعلاج، والمنكسر يسعى في إعادة بناء نفسه، والمرفوض يسعى في طرق أبواب أخرى. السعي لا يتوقف إلا حين تقرر أنت أن تتوقف.
لا تظن أن قيمتك تُقاس بسرعة وصولك أو بعدد انتصاراتك. قيمتك في استمرارك.. في رفضك أن تختصر نفسك في لحظة ضعف. في إيمانك أن الله الذي قادك إلى هنا قادر أن يقودك إلى ما هو أبعد. وحين تضيق بك الطرق، تذكّر أن أمامك بابًا لا يُغلق: محراب الدعاء. هناك تضع تعبك كله بلا شرح طويل. اسعَ في حياتك بكل ما تستطيع، لكن اربط سعيك بيقين داخلي هادئ: أن الله يراك، وأنه لا يخذل من طرق بابه صادقًا. آمن أن ما يكتبه الله لك لن يكون مجرد تعويض، ولكن هو الخير لك، حتى لو احتاج الطريق بعض الوقت لتكتشف حكمته. حياتك لا تُقاس بمرحلة واحدة، ولا يُكتب عنوانها عند أول تعثر. ما دمت تتنفس، فهناك مساحة للبدايات. اسعَ، وادعُ، واترك قلبك معلقًا بالله.. وستكتشف أن الأبواب التي ظننتها نهاية كانت تقودك بصمت إلى اتساع أكبر مما تخيلت.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟