في المواسم يزدحم الطريق. الكل يصلي، الكل يصوم، الكل يذكر الله، فتسير مع الجموع وقلبك مطمئن لأن الجو كله يعينك. الطاعة تصبح أسهل، والاندفاع أقوى، والخير حاضر في كل زاوية. تشعر أن السير إلى الله جماعي، وأنك لست وحدك في الطريق. لكن اللحظة الأصدق تبدأ حين يهدأ كل شيء. حين ينتهي الزحام، وتخف الأصوات، وتعود الأيام عادية كما كانت. هنا يظهر السؤال الحقيقي: هل كنت تمشي لأن الناس يمشون… أم لأن قلبك اختار الله؟ الإخلاص هنا يولد في المساحات الهادئة. حين لا يراك أحد، ولا يصفق لك أحد، ولا ينتبه أحد لركعتين خفيفتين في آخر الليل، ولا لصدقة خفية، ولا لذكرٍ تهمس به وحدك. هناك، في العتمة التي لا يشهدها بشر، تتكوّن حقيقتك.
فالطاعة التي تعيش بلا جمهور.. هي الطاعة التي يعرفها الله حقًا. أن تفعل الخير لأنك تحبه، لأن قلبك لا يستقيم بدونه، لأن بينك وبين الله عهدًا لا يحتاج شهودًا. هذا الصدق هو الذي يبنيك من الداخل، ويمنح روحك ثباتًا لا تصنعه الحماسة المؤقتة. وليس المطلوب أن تبقى في اندفاع المواسم، ولكن أن يبقى فيك أثرها.. أن تستمر بخطوات هادئة، ثابتة، حتى لو كنت وحدك. فالله لا ينظر إلى كثرة من حولك، ولكن إلى حقيقة ما في قلبك. ولا تقل: دعوتُ في رمضان وانتهى الأمر.. الدعاء الذي خرج من قلبك هناك لم يكن لحظة عابرة، بل كان فتحًا بينك وبين الله. فاستمر.. لأن القرب لا يُغلق بمرور الأيام، ولأن اليد التي ارتفعت إلى السماء مرة تستطيع أن ترتفع كل يوم.
ولا تظن أن الطاعة تُطوى بانتهاء الموسم. فمن علامات القبول أن ترى الخير يمتد في أيامك، وأن تزداد حسناتك بعد الطاعة لا أن تتوقف عندها. القلب الذي صدق مع الله في زمنٍ فاضل، يشتاق أن يبقى صادقًا في كل زمن. وإن ازديادك خيرًا بعد المواسم رسالة طمأنينة: أن ما عشته لم يكن اندفاع لحظة، ولكن تحوّل خاص لك. وأن الله الذي أعانك على الطاعة قادر أن يثبتك عليها، ويكتب لك أثرها نورًا يمشي معك في أيامك كلها.
فامضِ..
بقلبٍ تعلم الطريق، وروحٍ عرفت لذة القرب، ونيةٍ لا ترضى أن تنقطع بعد أن ذاقت معنى الوصل.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟