[ لا تدخل رمضان وأنت تستحي ]
ولا تدخل رمضان وأنت لابسًا رداء اليأس والحزن، فإنها والله لا تليق بك، ولا تليق بثنايا عينيك ولا بقلبك.
وكيف تدخل رمضان وأنت تستح من الله؟ تقول: دعوته مرارًا، لعل دعائي كان طويلاً، تخجل منه وتقول: لعلي ذنبي كبير. تتذكر أمنياتك ومطلبك وتقول: لعل ما أرجوه عظيم.
والله الذي رعاك منذ صغرك، وحفظك بعينه لا تنام، وراقبك في عز ابتلائك وما هتك سترك، وكان يعلم ما أحزنك وما اشتد عليك، وما كانت استجابة الدعوة مستحيلة، ولا كان طلبك عظيمًا! الله قدر هذا لخيرٍ قدره لك ..
تخيل الأم التي تعطي ولدها دواء، وهو يبكي ويتألم من شدته، وهي تسمع بكاءه، لكنها تعلم أن الدواء سيخفف عنه وسيشفيه بإذن الله (ولله المثل الأعلى، وليس كمثلة شيء، وما كان هذا المثال إلا للتقريب). فكيف بالله عز شأنه وجلالة، وهو أرحم من أمك وأبيك؟
ما كانت شدتك إلا خيرًا، ولا تقل: أين الخير؟ أنا لا أراه! الخير لا يرى وأنت لم تنضج، ولم توهب لك البصيرة، ولم تتأمل بعد.
جميع المؤمنين ممن نزلت عليهم شدائد في سنواتٍ من حياتهم يقولون: علمنا الخير عندما نزل علينا الفرج، ورأينا الحكمة، وعلمنا سبب المنع [ ستعلم بإذن الله ما دمت دعوت الله بالفرج، سينزل عليك الفرج، وبعدها ستعلم لماذا ]
لا تقبل على رمضان والهم يكبر في صدرك. والله الذي كرمك بالتوحيد، فلتكبره داخل قلبك. قل: ما أصابني كله خير (حتى ولو لم أعلم، لكن الله يعلم، وأنا محسن الظن به).
لا تقل: الألم شديد والضيق كبير.
تخيل لو كان جرحًا عميقًا في ساقك ترى العظم من بين لحمك! كيف سيكون حالك؟ سيكون الألم شديدًا! لكن لو مضت مدة ليست بطويلة سيبرأ الجلد ويختفي ألمك! هكذا بعد الفرج لن تتذكر الألم، وسيشفى جسدك، وستقول: نسيت والحمدلله أنها عدت.
اعلم أن بعض من الناس حولك أو بقربك، هم الذين يجعلونك تتراجع عن مطلبك. عندما يكبر الأمل في عقلك، وتستبشر بالفرج وتقول: أنا محسن الظن بالله، وسأرزق وسأعطى من خير الدنيا والآخرة، [ لا يحبون تفائلك ولا حسن ظنك بربك ]
تجد هذه دائمًا أقوالهم وليست إلا من مرضٍ في قلوبهم، فاحذر منهم:
- سيقولون: انظر إلى حال العصاه، أبواب التوفيق والأرزاق تفتح لهم، ونحن تغلق علينا الأبواب وتؤصد!
ردك سيكون أمامهم أو داخل قلبك:
الله لا يعامل المؤمن كالعاصي، ولا الصابر كالجاحد، ولا الشاكر لربه كمن قال: بعلمي وبجهدي وبذكائي [ وقد يوسع لبعض الناس استدراجًا، فليس كل توسعة دليل خير، الله لا يقدر له كما نراه [ فهو في ميزان الله: أعرض! ومن أعرض عن الله فإنه يستدرج بالنعم ]، فتفتح له أبواب من الأموال والتمكين، وقد تأتيه مع ذلك من سوء حاله وسوء عاقبته مصائب جمة: خسارات مالية، سرقة، طلاق وتفكك أسري (سلسلة من العقوبات طيلة حياته، سواء علمت عنها أم لم تعلم، وانظر إلى حال الكفار اليوم: ليسوا في حالٍ واحدة، يتقلبون بين النعيم والضيق في الدنيا قبل الاخرة.
- وسيقولون لك: المؤمن لن يرى خيرًا من الدنيا، ومكتوب له الشقاء طول عمره.
(فهذا قولهم وهذا ظنهم برب العالمين فانظر كيف حالهم!)
ردك: الذي وعد بالإجابة من فوق سبع سماوات، سيستجيب لنا وسنرى خير الدنيا قبل الاخرة بإذن الله،
وسنفرح بالفرج والنصرة والتمكين والأرزاق دون حساب، (فالمؤمن إذا أقبل عليه الخير، فهو محفوظ، وفرحته تجدد في قلبه كل يوم دون كلل ولا ملل، بخلاف العاصي أو الكافر فقد يأتيه المال أو الرزق فهو غير محفوظ ولا في رعاية الله، وقد يسرق أو يخذل) لكن المؤمن في رعاية الله عز وجل وحفظه، فلا يخاف: فهو متقوً بالله، متوكل على الله، ومستعينًا بالله (تجد في صدره بحورًا من الطمأنينة والقوة والثبات العجيب والكبير).
- أيضًا سيقولون لك: انظر إلى شدة ابتلائك وضيقك، فأنت في أسوأ أحوالك.
وهم أحيانًا يلومونك وتارة يحملون عليك الذنب بما حصل لك. فلا يهمك ولا تكترث لهم ولا تغتم، وما أصابك لم يكن ليخطئك، [ فلكل طريق إحراق سيكون بعده إشراق ] شئنا أم أبينا، فالأيام الصعبة هي اللي تصنعنا، وتهذبنا، وتشعرنا بقيمة النعم التي كرمنا بها الله، ولو كنت في غفلة ما شعرت بها. وأصبحت انضج قبل أقرانك، وبصيرتك أصبحت أعمق، وحديثك ولسانك أصبحا في أمورٍ أكبر، فلم يعد يهمك الهوامش الحياة ولا الرغبات البسيطة.
في الشدة أنت تتغير، لكن لا تشعر بذلك، وستشعر حتمًا عند تصل إلى بوابة الفرج، ستعلم أن الطريق الذي مررت به جعلك أفضل، وأبصرت خفايا الناس، وصرت تميز بين الصادق من الغادر والماكر، وأصبحت عظيمًا بنفسك ..
أتدخل رمضان بعد هذا كله وأنت تخجل؟ لا والله، لا تخجل، وأنت الذي صبرت، وتحملت واخترت الصمت ليس لأنه أسهل، لا. أنما علمت أن القدر نزل من السماء، وسيرفع من السماء، فلم يعد صوتك أو لشكواك معنى، إلا حين ترفع دعاءك إلى الله، الذي رفع السماء بلا عمد.
أدخل رمضان، وأحسن الظن بالله أن الطريق شارف على الانتهاء. بينك وبين الفرج محطات قليلة جدًا، أولها محطة حسن الظن بالله، فإن تجاوزتها سهلت لك المحطات الأخرى واقتربت للنهاية.
كبر طموحاتك وغاياتك، فالله اختارك واصطفاك لهذا الصبر العظيم لما رآه في نفسك، لا تصغر أمنياتك، وأنت الذي لو كنت أسمًا لكان لا يليق لك إلا [ كنت كبيرًا بالله ].
جهز دعواتك لرمضان، وأكثر، وإياك أن تزهد أو تقلل الطلب، وتقول: حتى هنا يكفي، لا.
ادع الله بكنوز الدنيا من العطايا، واسأله أن يجعلك من أهل الطاعات والقربات، واطلب منه مفاتيح الآخرة كلها من الجنة، وأن يهون عليك أهوال يوم القيامة، وألح عليه الله أن يغفر لك ذنوبك كلها، وما تقدم منها وما تأخر، وأن يعتقك من النار. أطلب وأكثر!
نوره السبيعي
تويتر X: alsubaiee_norah