ليست كل الأحداث عابرة كما نحب أن نقنع أنفسنا. بعض المواقف التي تمر أمامك، وبعض الأذى الذي تتلقاه، وبعض الصمت الذي تختاره، لا يضيع.. ولكن يُكتب. كل شيء يحدث لك الآن، سيكون يومًا ما حُجّة: إمّا لك، أو عليك. في الدنيا، وفي الآخرة. حين تُحسن، ويقابل إحسانك بالإساءة. حين تعطي، وتضحي، وتبذل من وقتك وقلبك، ثم لا يذكر عطاؤك، وإنما يُشوه، أو يتناسى. حين تكون صالحًا، فيستغلون صلاحك، ويظلمونك، لأنهم يعلمون أنك لن ترد، ولن تفسد، ولن تنحدر لمستواهم. هذه ليست خسارة كما تبدو. هذه مواقف تبنى بها الموازين.
أحيانًا يعرف الناس أنك تخاف الله، فيختبرون هذا الخوف. لا لأنهم يجهلونه، ولكن لأنهم يريدون كسره. يقابلونك بأسوأ صفاتهم، يستفزونك، يظلمونك، يضغطون عليك، لا لشيء.. إلا ليصرفوك عن صلاحك، لتتخلى عن نقائك، وتصبح مثلهم. وهنا تحديدًا تُكتَب الحُجّة. إما أن ترد، فتشبههم. أو تصبر، فترتفع.
الصبر هنا ليس ضعفًا، ولا قهرًا، ولا سكوت العاجز. الصبر هنا اختيار واعٍ: أن تعرف أن الله أكبر من كل البشر، وأن ردك الحقيقي ليس كلمة، ولا موقفًا، هو ثبات. أن تؤذيك أيديهم، لكن لا تدنس قلبك. أن يظلموك، لكن لا يسحبونك إلى مستنقعهم. وحين تصبر، لا تصبر لأجلهم. لا تصبر لأنك لا تستطيع الرد. تصبر لأنك ترى أبعد منهم. تصبر لأنك تعرف أن الله يرى. يرى نيتك، يرى دمعتك التي لم تنزل، يرى غصتك التي بلعتها، يرى كفك الذي قدرت أن ترفعه، لكنك أنزلته لله.
وهنا يحدث ما لا يراه الناس.. في لحظة صبر صادقة، ينزل على القلب جبر. ليس بالضرورة أن يتغير الواقع فورًا، لكن يتغير شيء أعمق: تشعر بسكينة، بعزة، بطمأنينة غريبة، كأن الله يقول لك: أنا معك.. سعادة هادئة، لا تشبه ضحك المنتصر، ولكن راحة من عرف أن حقه لم يضع. فلا تستهن بشيء تمر به. لا بكلمة جارحة، ولا بخذلان، ولا بظلم. كل موقف هو شاهد.. إما يشهد لك بأنك اخترت الله حين كان الاختيار صعبًا، أو يشهد عليك بأنك بعت مبادئك عند أول اختبار.. فاختر الحُجّة التي تريد أن تقف معك.. في الدنيا، ويوم لا ينفعك إلا ما صبرت فيه لله.
———
سلسلة معية الله: من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟