هناك معنى عظيم يحتاج أن يرسخ في قلبك وأنت تعيش رمضان: لا يوجد حق يضيع عند الله. قد يطول الطريق، قد تتأخر الإجابة، قد ترى الظالم أمامك مطمئنًا، وترى نفسك تنتظر، لكن ميزان الله لا يختل، ولا يسقط منه شيء، ولو كان أدق مما تتصور. المشكلة أن الإنسان حين يطول عليه الانتظار يبدأ يضعف داخليًا. يدعو ثم يراقب الأيام، فإن لم يرَ تغييرًا سريعًا، تسلل إليه شعور خفي بأن حقه ربما لن يعود كاملًا. وهنا تحديدًا يأتي الخلل: أنت تقيس الأمور بعجلة البشر، بينما الله يجريها بحكمة العدل.
رمضان ليس فقط موسم دعاء، ولكن موسم تصحيح يقين. حين ترفع يديك وتطلب حقك أو فرجك، أنت لا تتكلم في فراغ. أنت تخاطب ربًا أحصى كل شيء: الكلمة التي قيلت لك، الألم الذي مرّ في صدرك، الظلم الذي صبرت عليه، وحتى النية التي كتمتها ولم تُظهرها. كل ذلك محفوظ بدقة لا يدركها عقلك. لهذا لا تجعل دعاءك في رمضان مشوبًا بالخوف من الضياع. لا تقل في داخلك: ماذا لو لم يأتِ حقي؟ بل قل بيقين: سيأتيني في الوقت الذي يختاره الله، كاملًا لا منقوصًا. قد يأتيك على صورة تعويض يدهشك، أو تيسير يفتح أمامك أبوابًا لم تكن في حسابك، أو صرف أذى كان أعظم مما طلبت. الفاضل في هذا الشهر ليس أن تكثر من تكرار الطلب فقط، ولكن أن تتعلم التسليم بعد الدعاء. أن تضع همّك عند الله ثم تمضي مطمئنًا، لأن انشغالك بالقلق بعد الدعاء كأنك تعود لتحمل ما سلّمته. أما القلب الذي يفهم عدل الله، فإنه يدعو ثم يستريح.
اجعل هذه قاعدة داخلية لك في رمضان: ادعُ بكل ما في قلبك، ثم ثق أن ما كُتب لك محفوظ عند رب لا ينسى. لا تراقب الناس، ولا تقارن توقيت حياتك بتوقيت غيرك. ميزان الله يعمل بصمت، لكنه لا يخطئ. وحين يرسخ هذا المعنى فيك، يتحول دعاؤك من استعجال إلى عبادة هادئة. تدعو وأنت تعلم أن حقك في طريقه إليك، وأن الله حين يعطي، يعطي بطريقة تمحو أثر الانتظار كله.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟