اليأس لا يأتي من تأخر الإجابة… ولكن من سوء الفهم

٥ فبراير ٢٠٢٦
-1
اليأس لا يأتي من تأخر الإجابة… ولكن من سوء الفهم

كل مرة يطول فيها الانتظار، هناك أمر يجري في الخفاء.. إما أن الأمر نفسه يُهيَّأ بطريقة ما، أو أن القلب يُنقّى من تعلّقٍ زائد، أو أن العبد يُرفع درجة لا يصلها إلا بالصبر. فالتأخير هنا ليس إهمالًا، هو عناية لك.. وليس نسيانًا، هو ترتيبًا إلهيًا أدق مما يتخيله العقل المستعجل..فاليأس لا يظهر لأن الأمر لن يتحقق، ولكن لأن العقل يتعب حين يظن أن التأخير يعني الرفض. ومع كثرة الانتظار، يبدأ القلب بالاضطراب، لا لأن الله قد لم يجيب الدعوه، حاشاه، ولكن لأن الإنسان خلط بين شيئين مختلفين تمامًا: بين تأخر الإجابة، وعدمها.


والإيمان هنا لا يقع في هذا الخلط، لانه يعلم أن الله وعد بالإجابة، لكن بالوقت المناسب للإنسان. وحين يغيب هذا الفهم، يصبح الانتظار عبئًا ثقيلًا، ويبدأ اليأس بالتسلل على هيئة أفكار هادئة لكنها مدمرة: "طال الأمر"، "ربما ليس لي"، "ربما دعوت كثيرًا بلا جدوى" بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.. واليأس لا يخرج من ضعف الدعاء، وإنما من ضعف حسن الظن بالله سبحانه.. من مراقبة الوقت بدل مراقبة القلب، من التركيز على "متى" بدل الثقة بـ "من"، وحين يترسخ هذا الفهم، يتغير شكل الانتظار كله.. فلا يعود الانتظار فراغًا، ولا يصبح عبئًا نفسيًا، ولكن يتحول إلى سكون داخلي، إلى يقين هادئ أن ما يجري الآن ليس ضدك، وإنما لأجلك..


وحين يأتيك اليأس، لا تجادله طويلًا، ولا تسمح له أن يستقر.. اطرده باليقين، وبمعرفة ثابتة أن أمرك لا يخرج عن ثلاث: إما خير يُحضَّر لك، أو قلب يُنقّى، أو درجة تُرفع. وكلها مكاسب، حتى لو لم تشعر بها الآن. فالله لا يكسر قلوب من أحسنوا الظن به، ولا يضيع دعاء خرج بصدق، ولا يخذل عبدًا سلّم أمره له. فقط ثق… واترك للتدبير الإلهي مساحته، فهناك أشياء لا تُعطى بسرعة، لأنها لو أُعطيت قبل وقتها لأفسدتك بدل أن تُنقذك.

———

سلسلة معية الله: من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟