اجعل القرآن رفيقك.. ولا تمر عليه مرورًا عابرًا

٢٣ فبراير ٢٠٢٦
-1
اجعل القرآن رفيقك.. ولا تمر عليه مرورًا عابرًا

رمضان هو الشهر الذي اختاره الله ليكون زمن نزول كلامه، والشهر الذي تتغيّر فيه القلوب حين تقترب من الوحي. فإذا أردت أن تعيش رمضان كما ينبغي، فابدأ من هنا: القرآن لم يُنزل لتُنهيه، ولكن لتبدأ به. والمشكلة أننا أحيانًا نتعامل معه كعدد صفحات، لا كعدد رسائل. نفرح بالختمة.. لكن هل تغيّر فينا شيء؟ القرآن ليس كلمات تُتلى فقط، ولكن مواقف تُعاش، وأحوال تُصحَّح، وقلوب تُعاد صياغتها. فحين تقرأ قصة يوسف عليه السلام، لا تقرأها كحكاية بعيدة. اقرأها وأنت تتأمل: كم سنةً انتظر؟ كم ظُلم؟ ومع ذلك لم يتغيّر قلبه، لم يمتلئ سخطًا، ولم يتحول الألم فيه إلى اعتراض. فالدرس ليس أن الفرج جاء. الدرس أن قلبه بقي مستقيمًا حتى جاء. وكأنها رسالة لك: ليس المهم متى ينتهي ابتلاؤك، المهم ماذا يحدث لقلبك أثناءه.


ثم اقرأ دعاء زكريا عليه السلام. رغم كبر سنه وضعف جسده وانقطاع الأسباب، لم ينقطع رجاؤه فدعا الله حتى لحظة اليقين التي بشرته فيها الملائكة. تعلم ماذا يعني ذلك؟ أن الدعاء لا يُقاس بالظروف، وأن الاستجابة ليست محصورة بما يراه عقلك ممكنًا، ولكن تأتي حين يكتمل الإيمان والثقة بالله. فالقرآن لا يسرد قصصًا للتأثر اللحظي، ولكنه ليعلّمك قاعدة: اصبر كما صبروا، وادعُ كما دعوا، وثق كما وثقوا.. وسيأتيك من الفرج بقدر صدقك.


في رمضان تحديدًا، لا تجعل همّك كم صفحة قرأت، ولكن كم آية غيّرتك. توقّف عند آية تخاطب خوفك. عند آية تصحح استعجالك. عند آية تذكّرك أن الله يرى، ويسمع، ويعلم. اقرأ ببطء.. واربطها بحياتك، بدعائك، بانتظارك، بتعبك. وخذ هذه القاعدة معك في رمضان: القرآن ليس زينة الشهر، ولكن بوصلة القلب. كل آية تتدبرها تزرع فيك طمأنينة. كل قصة تستشعرها تُعيد ترتيب يقينك. كل وعد تقرؤه يخفف عنك استعجال الفرج. فلا تمرّ عليه مرور العابرين. اجعله رفيقك في ليلك، وأنيسك في وحدتك، ودليلك في حيرتك. لأن الذي يعيش مع القرآن.. لا يخرج من رمضان كما دخل.

———

سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟