يمضي الإنسان في حياته منشغلًا بأيامه القريبة، فيرى ما حوله فقط، ويظن أن ما يعيشه الآن هو القصة كلها. لكنه لو تأمل قليلًا لوجد أن هذه الأرض قد مر عليها قبلنا أناس كثيرون.. عاشوا، وبنوا، وامتلكوا من القوة والقدرة ما ظنوا معه أن أيامهم ستدوم طويلًا. تركوا آثارًا في الأرض، وساروا في حياتهم وكأن الطريق سيبقى لهم. لكن الأيام مضت، وتغيرت الأحوال، ولم يبقَ منهم إلا الخبر والعبرة. ذهبوا بكل ما كان في أيديهم، وبقيت نهايات قصصهم تذكر من يأتي بعدهم أن الحياة لا تسير كما يتخيلها الإنسان أحيانًا.. فكم من قوي ظن أن قوته ستحميه، وكم من إنسان ظن أن ما وصل إليه سيبقى معه، ثم جاءت الأيام لتكشف أن لهذه الحياة سنن لا تتبدل، وأن العواقب تأتي في النهاية على قدر الطريق الذي يسير فيه الإنسان.
ولهذا كان من الحكمة أن ينظر العاقل إلى أحوال من سبقه بعين الاعتبار.. حين يرى كيف انتهت قصص من قبله، يدرك أن ما يفعله الإنسان في حياته ليس أمرًا عابرًا يضيع مع الأيام. فالأعمال لا تذهب سدى، والخطوات التي يمشيها الإنسان في حياته لها أثر محفوظ، وإن خفي عن أعين الناس زمنًا. ومن هنا يبدأ ادراك بالوعي.. أن يومك ليس مجرد ساعات تمضي، ولكن فرصة تكتب لك أو عليك.. وأن العاقل لا يترك يومه يمضي كما اتفق، بل ينتبه لمن يكون أولًا فيه.. فيجعل الله حاضرًا في اختياراته، في سعيه، في قراراته، في خلواته قبل ظاهره. لأن الذي يبقى منك بعد رحيلك ليس ما جمعته، ولكن ما قدمته، وليس ما وصلت إليه في أعين الناس، ولكن ما ثبت في صحيفتك عند الله.
قد تسعى، وتتعب، وتطلب رزقك، وهذا كله حق.. لكن الخسارة أن يأخذ منك ذلك قلبك، أن يسرق حضور الله من يومك، أو يبدل أخلاقك التي عرفت بها، أو يبعدك عن المعنى الذي خلقت له.. ليس المطلوب أن تترك الدنيا، لا.. ولكن أن لا تتركها تأخذك من نفسك، ولا أن تنسيك طريقك، ولا أن تجعلك تركض حتى تنسى لماذا بدأت.. ومن الناس من يمضي في غفلته، ينجرف مع ما حوله، ويقيس نفسه بمن حوله، ويسير حيث يسيرون.. لكنه في الحقيقة لا ينظر إلى النهاية.. لا يسأل نفسه إلى أين يصل هذا الطريق، ولا ماذا يبقى منه إذا انتهى كل شيء. وهنا الفرق.. أنك قد ترى من يسبقك في الدنيا، لكنه لا يسبقك عند الله، وقد ترى من يلمع أمامك، لكن طريقه لا يشبه الطريق الذي تريد أن تنتهي إليه. فلا تنشغل بهم، ولا تلتفت كثيرًا..! دعهم فيما اختاروه لأنفسهم، لكن أنت انتبه لطريقك.. أنت تعرف ماذا تريد في النهاية، وتعرف أي مصير تبحث عنه، فلا تضيع وضوحك لأجل ضجيج عابر.. سر بهدوء، لكن بوعي، واعمل وأنت تعرف لماذا تعمل، وعش يومك وأنت تجعل الله أولًا فيه. لأن هذا وحده الذي يبقى، وهذا وحده الذي ينفعك حين لا يبقى شيء.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟