مشروعك الأفضل في رمضان

١٥ فبراير ٢٠٢٦
-1
مشروعك الأفضل في رمضان

دعني أقول لك شيئًا مهمًا عن رمضان قد لا ننتبه له كثيرًا: ليس كل ما نفعله فيه متساويًا، حتى لو كان كله خيرًا. في هذا الشهر هناك أعمال فاضلة وأعمال مفضولة. كلها تقرّبك إلى الله، لكن بعضها أقرب، وأثقل في الميزان، وأشد أثرًا في قلبك، خاصة في هذا الشهر. المشكلة أن كثيرًا من الناس يدخل رمضان وهو مشتت بين أعمال كثيرة، يريد أن يفعل كل شيء دفعة واحدة. يقرأ هنا قليلًا، ويصلي هناك قليلًا، ويتنقل بين الطاعات دون أن يدرك أن رمضان ليس سباق كثرة، ولكن سباق فقه. فقه أن تعرف: ما الذي يريده الله منك الآن أكثر من غيره؟


الفاضل في رمضان هو ما كان أحب إلى الله في هذا الوقت تحديدًا. والقاعدة البسيطة التي تحتاج أن تتذكرها دائمًا: الفرائض قبل النوافل. لا معنى أن تكثر من صلاة التطوع وقلبك غافل عن صلاة الفريضة في وقتها، ولا قيمة لإطالة القيام إذا كان خلقك يضيق على من حولك. أعظم ما تتقرب به إلى الله في رمضان أن تضبط الأساس أولًا: صلاتك، صدقك، لسانك، ونية قلبك. وأفضل الأعمال في رمضان ( وهنا يظهر فهم الفاضل والمفضول بشكل أدق ) هو القرآن. هذا الشهر ارتبط بالقرآن قبل أي شيء، فهو الشهر الذي نزل فيه كلام الله ليكون هداية للناس. لذلك كان الصحابة يجعلون علاقتهم بالقرآن في رمضان علاقة مختلفة تمامًا؛ كانوا يكثرون من تلاوته، حتى إن بعضهم كان يختمه في أيام قليلة، لا لأنهم يسابقون الأرقام، ولكن لأنهم فهموا أن هذا هو الموسم الذي تتضاعف فيه آثار القرآن على القلب.


لا تدع يومًا من رمضان يمر دون نصيب واضح من القرآن. اجعلها قاعدة ثابتة لك: صلاة، وصيام، وقرآن. هذه الثلاثية هي عمود يومك. قد لا تدرك أي لحظة وأنت تقرأ تكون سببًا في تيسير دعوة، أو تفريج هم، أو فتح باب لم تكن تتوقعه. القرآن ليس مجرد صفحات تُقرأ، هو كلام يربي القلب ويعيد ترتيب الداخل بهدوء. حين تستشعر أنك تقرأ كلام الله مباشرة، تتغير جودة قراءتك، ويتحول الوقت معه إلى مساحة بناء حقيقية. ضع لنفسك منهجًا من الآن. كما يخطط الناس لمشاريعهم الدنيوية بدقة واهتمام، اجعل مشروعك في هذا الشهر أعظم مشروع لك في هذه السنة: مشروع علاقتك بالقرآن. حدّد وردك، احمِ وقتك، وتعامل مع قراءتك كأولوية غير قابلة للتأجيل. لأن ما يُبنى في رمضان لا يبقى في رمضان فقط، ولكن يمتد أثره معك طويلًا بعده.


وربما تظن أن الأعمال الكبيرة فقط هي الفاضلة، لكن الحقيقة أن الفضل أحيانًا يختبئ أيضًا في أشياء صغيرة جدًا: كظم غيظك، كف لسانك، صبرك على تعب الصيام، إدخالك السرور على شخص قريب منك، والاستغفار في جميع الأوقات. هذه الأعمال قد لا تُرى، لكنها تبني في داخلك إيمانًا صامتًا وعميقًا. رمضان يعلمك ترتيب الأولويات. ليس المطلوب أن تخرج منه منهكًا من كثرة ما فعلت، ولكن أن تخرج منه أقرب إلى الله مما كنت. أن تختار الأعمال التي تغيّرك فعلًا، لا التي تملأ وقتك فقط.


فإذا دخل عليك رمضان، لا تسأل: كيف أفعل أكثر؟ اسأل: كيف أفعل الأهم؟ لأن الذي يفقه الفاضل والمفضول لا يضيع جهده، ولكن يضعه في المكان الذي يثمر أسرع، ويقرّبه إلى الله خطوة حقيقية.


———

سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟