قد تعتقد أنه إذا طال عليك البلاء فإنه سيذهب معك إلى القبر، وأن الحزن سيصبح كالقرين، والهم كالصديق، لكن الله لم ينزل عليك البلاء ليحزنك!
الله قدر هذا الابتلاء في زمنٍ مقدر، لا يعلمه إلا هو، وله فيه حكمة بالغة وعظيمة. نعم، [ هذا البلاء لم يكن عشوائيًا، ولا نتيجة سوء تخطيط منك! ] وقد يزيد عليك بعض نفوس البشر الهشة، فيقولون لك: هذا تعطيل لحياتك! وهذا والله من قل الفطنة وسوء الظن بالله، وكأن الله حاشاه ( قد عطل خريطة حياتك ليشيقك! ) لا.
ويرى الناس أحيانًا أن أحوالهم تعقدت، وأن الحبال التفت، وأن كل شيء يسير ضدهم، فيظنون أن الفرج من المحال، أتريد أن تعلم لماذا؟ هذه رسالة من الله العظيم الجليل، يبين لك بها قدرته وجبروته بين العباد، فكلما زادت التعقيدات، أراك الله قدرته في الفرج، لا ليشعرك باستحالة تبدل الحال، فاحفظ هذه الرسالة جيدًا في الأزمات: عندما ترى كل شيء حولك لا يسير في الاتجاه الذي تريده، فهنا تتجلى عظمة الله، إذ يبدلها في ليلة واحدة، ويغيرها بقدرته وجلاله وقوته.
[ فاعلم إن لم يحل الأمر من السماء، فلن يحل من أهل الأرض ] تجنب السؤال والشكوى للناس، واعلم أن البشر لو سألتهم، قالوا: من أنت؟ ماذا فعلت؟ افعل كذا لنعطيك! هكذا البشر، لكن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا يعاملك بالمثل، ولا يأمرك بالعبادة إلا ليعود إليك نفعها عليك في الدنيا والآخرة.
الله سبحانه جلّ علاه يرزق بغير حساب ولمن يشاء، ويفرج الكربات، ويهب الأجنة في بطون الأمهات، وينزل العطايا من السماء، ويسد ثغور الديون والحاجات. أذن، لماذا نرى هذا الابتلاء بين الناس والله هو القادر والقاهر؟
الله سبحانه جلّ علاه يختبر العبد ويمتحنه، في مواضع عدة، فتأمل رعاك الله هذه المواضع:
- العبد المبتلي الصابر: نزل عليه البلاء، فأحسن الظن بالله، وتقرب إليه بالطاعات، يعلم أن الله هو الذي سيفرج عنه، ويعلم أن الله كتب له الخير (وإن كان لا يعلم وجه الحكمة) لكنه محسن الظن بالله. روحه متعبة، لكنه متعلق بالله = فربط الله على قلبه، وأنزل عليه الصبر، وثبته من فوق سبع سماوات.
- العبد الغني الشاكر: نزل عليه الهبات، وزادت عليه العطايا والخيرات، فشكر الله ولم يجحد، عظم الله ولم يُعجب بنفسه، وكبر الله ولم يحتقر غيره. تجده دائمًا معظمًا الله في نومه، وحله وترحاله = فرضي الله عنه وأرضاه، وزاد عليه محبة من عنده، وقذفها بين قلوب العباد.
- العبد المبتلى الغاضب: نزل عليه البلاء، فغضب وجزع، وأبدى ذلك للعباد. (يعتقد أنه لا يستحق هذا البلاء، وأنه لم يفعل ما يحرم به) فيظهر ذلك على ثنايا وجه، وقد يحسد الناس على ما أكرمهم الله به، وإذا دعوته إلى العبادة والتقرب إلى الله بالدعاء، لقال: أنا لست من الصالحين، ودائمًا يجد الأعذار.
- العبد الغني الجاحد: نزلت عليه الهبات، ورفع الله شأنه وكرمه بالمال والأرزاق، فجحد نعم الله، وقال: بعلمي، وبجهدي، وبذكائي. وإذا رأيته وددت أن تقوم من مجلسه، بغيضًا، وقد نزع منه القبول بين العباد، في بحور من الظلمات، يرى أن الخير بما قدمت يداه، ولا يعلم أنه مختبر وممتحن من فوق سبع سماوات.
تأملت هذا - رعاك الله - ؟ تأملت أن الجميع مختبرون وممتحنون، وأن الأعظم من ذلك أن الأحوال متغيرة! فالمبتلى الصابر = قد يتحول إلى الغني الشاكر بإذن الرحمن، والعكس (وليس في ذلك دليل أن الله لا يحب هذا ويبغض ذاك، لا. حاشاه الكريم العظيم، إنما هو اختبار، فلنرضَ بسنن الله الكونية وبما شرعه بين العباد).
وصلني سائل من المتابعين، قال: هل البلاء يؤثر على عباداتي حتى يصعب علي أداؤها؟ فقلت: لا، الذي يؤثر هو ما وقر في القلب، لا مجرد حالك وضعفك. [ ومفتاح كل العبادات في الشدة واليسر هو: حسن الظن بالله ] عندما تقرأ القرآن، قل: سبحان الذي سخر لي هذا الوقت لأقرأه وكرمني به. وعندما تقوم للصلاة والناس نيام قل: سبحان الله الذي كرمني بهذه الصلاة والناس نيام، من أنا لأقوم في هذا الوقت وأصلي؟ إنما هو الله الوهاب الذي شرفني بهذه العبادات. أحسن الظن بأن الله هو الذي يثيب على الأعمال، فإن آمنت بهذا، قمت للعبادة مهما كانت روحك متعبة أو راضية، لأن الثقة بالله وحسن الظن به هما ما يحركان الجوارح.
أحسن الظن بهذا الابتلاء: أن ما أصابك خير. نعم خير! الله يعلم الغيب ويرى المستقبل، أيعجز أن يصرف عنك إنسانًا متربصًا، وحاسدًا، أو ناقمًا، ينوي عليك الشر منذ سنوات؟ نعم. فلذلك صرفك عن بابٍ كنت تظن أن النور فيه لحياتك، لكن الله يعلم وأنت لا تعلم.
أيضًا: لا تتكل على نفسك بالعبادات، استعن بالله، واطلب منه المعونة على الصلاة، وأداء الأركان، وسائر القربات، ولا تنظر إلى ضعفك، فالله قادر أن يقربك إليه وأنت تبكي في الصلاة. والله يعلم أن هذه الصلاة تذهب عنك الروع، وتطفئ لهيب التعب، وتجبر الكسر بالقلب. فاستعن بالله، ولا تبالِ بنفسك.
وربما رأى الله منك الإحسان والخير في قلبك، فكرمك بمنزلة في الجنة لا تبلغها إلا بهذا الإبتلاء، وهو الذي سخر لك الأجور والحسنات كالنهر الجاري في دنياك، لتبلغ نعيمًا لا يخطر على البال.
وأيضًا يظن بعض من طال بهم البلاء أنهم لن يروا الخير إلا في بالآخرة، [ ويستبعدون الفرج بالدنيا، وحتى إذا أقبل عليهم الفرج قالوا: لقد شابت أروحنا وكبرنا بين الأقران ] كلا، فإن الله يرفع البلاء لأن الشدة بتراء، أي زائلة بإذن الرحمن، وهذا اعتقاد راسخ عند من آمن أشد الإيمان بأن الله سيعطيه ويهبه، ويحول روحه المنهكة إلى روحٍ جميلة وناضجة، وحتى لو سأل لقال: لا أريد إلا هذا الابتلاء. لماذا؟ لأنه رأى كيف بدل الله حاله فوق ما يتمنى، وكشف له أسباب ما نزل به (فاعلم أنه لم يكن ليشقيه أو يعذبه، أنما أراد أن يطهره من التعلق بالبشر والتخلص من الذنوب والاثام).
إذن، ماذا يريد الله منك ليرفع عنك هذا البلاء؟ ١- إحسان الظن به ٢- صدق اللجوء إليه ٣- التوكل عليه في الظاهر والباطن ٤- الاستعانة به في شؤون الدنيا والعبادات ٤- التمسك بحبل التوحيد؛ أن الخير والشر مقدر بمشيئة الله، وهو القادر القاهر فوق عباده ٥- الوقوف على بابه، وعدم سؤال غيره.
يبادر إلى ذهنك: هل سيذهب هذا الابتلاء ويرفع؟ نعم وستتغير حياتك بإذن الرحمن، وستصبح ناضجًا، [ وستبدأ بداية لا تشبه النهايات. ] ثق ثقة كاملة بأن الله قادر، فإن وثقت به أكرمك بالعطايا والهبات، وبالعبادات والأرزاق في الدنيا قبل الآخرة.
أترضى بعد هذا الابتلاء؟ نعم، وبعد رضاك ستودع الحزن من خلف الباب، وستستقبل أهل السعادة والهناء وحلاوة الأيام من عند الباب.
هنيئًا لك هذا الصبر، وهذه المنزلة الذي قدرها الله لك، والله يراك من فوق سبع سماوات، ولم يكن هذا [ الابتلاء أحداثًا عشوائية ]، ولقد قالها كل من فرج عنهم وفتح لهم الباب: لم نكن نعلم أن هناك شرًا مخفيًا، لقد وثقنا بالناس فخانوا الأمانات، وعند الابتلاء زهدنا فيما عند الله، فأبى الله إلا أن يكرمنا بجزيل الهبات والحسنات.
سبحانة جلّ علاه، كان لطيفًا بك منذ ولادتك، وقدر لك الأمور بتقدير الحكيم العليم.
أخيرًا: أسألك يا من طال بك البلاء، صل هذه الليلة ركعتين خفيفتين، ارفع يديك، واشكر الله على هذا البلاء وإن طال، وأحسن الظن بالله، واعلم أن ما أصابك كله خير، والخير الذي طالما تتمناه.
أوصيك بقراءة هذه المواضيع (المتاحة في دار آدم ضمن قسم المقالات):
- معية الله معك في الأزمات
- الله يريك، لا ليحزنك
- خلف الأقدار = أبواب
- روحك قد شابت من كثرة الأقدار
- الله لا يريد أن يلوثك الظلم
- بعض الناس تجاوزتهم الأقدار، أما أنت فما زلت عالقاً
- أسئلة تربك العقول، وتدق الطبول في القلوب
- لا تعش الحياة وأنت حيران
- لا تلتفت عند الحيرة، لا تميل عند الشدة
- أقدار الله تثبيت لا تشتيت
- اجعل تصفية الحسابات تأتي من السماء
- عند شدة الابتلاء لا تنظر إلى الخلف