لو قلنا إنك تاجر وتبيع وحولك تجار، وتعلمون أن هناك شهرًا تكون فيه الأرباح مضاعفة وأكثر، لوجدتكم جميعًا حريصين على أجود البضائع، وعلى الاستعداد له، وربما جعلتم البضائع الجديدة في هذا الشهر بالذات، لكن لو قيل إن تاجرًا بينكم قال: سأغلق دكاني ولن أبيع؛ لأني أريد الراحة قليلًا، مع علمكم أن سائر الشهور متاحة للراحة، لقلتم: هذا مجنون، أو غير عاقل، أو صاحب دنوّ همة، وليس بتاجر.
كذلك رمضان هو شهر السباق بين الصالحين؛ جميعهم يعلمون أن الأجور مضاعفة، وأن ليلة واحدة تعادل ألف شهر، وهذا من كرم الله. والحكمة الخفية في ذلك - بعلم الله - أن يكون حجة علينا يوم القيامة، فلا يقول أحد: بماذا أسأل وقد كثرت ذنوبي؟ وسيقال له: أتاك رمضان، فلماذا لم تجمع الحسنات والأجور وهي مضاعفة؟ فماذا سيكون جوابك؟
لذلك سأقول لك ما يحدث في رمضان كل سنة: ستجد كثيرًا من الناس في الأسواق والشباب في المقاهي ومقابلة الأصدقاء والأصحاب، وبعض النساء يجتهدن في شراء الجلابيات للعزائم، وكل هذه الأفعال مباحة، لكن هل نحن مأجورون عليها؟ لا، إذن لماذا أضيع يومًا كاملاً في السوق أو مقابلة صديق، مع العلم أن ذلك ليس حرامًا، لكن هل عدّاد الحسنات والأجور في ازدياد أو نقصان؟
في شهر رمضان باب عظيم، ولابد للمؤمن فتحه ليرى ما خلفه، فلا تيأس ولا تحزن مما فاتك، فإن الخير في رمضان كثير، وإن كنت تنوي أن تزيد في العبادات لتُشفى من مرض، أو ليحقق الله لك ما ترجو، أو ليفرج عنك كربًا، أو ليفتح عليك باب الأرزاق، فلا تخجل وتستحي من الله وتقول في نفسك: إنني أنوي عبادة الله لأبلغ ما أتمناه. لا، فإنك إن فعلت ذلك فقد وحّدت الله، وبلغت منزلة توحيد الطلب، وهي منزلة عظيمة عند الله، لأنك تعلم أنه لن يفرجها إلا الله، ولن تُرزق إلا بالله، ولن تُشفى إلا بالله، فهنيئًا لك هذا الإيمان وهذه الرغبة، لأنك لم تلتجئ لغيره، ولم تسأل سواه.
وقد تقول في نفسك: وإن حقق الله لي ما أرجو، ماذا سيحدث بعدها؟ وسأقول لك ماذا سيحدث بعد الفرج، وبعد الشفاء، وبعد الرزق: أنك سترتفع منزلة، لأن حُبك لله سيزداد، وسترغب في الزيادة في العبادات طوال السنة، وستشعر بالطمأنينة بعدها، وهذا من فضل الله وكرمه وجود إحسانه عليك، وليس المعنى أن الله لم يستجب في رمضان أنه قد أغلق الباب عليك، لا، لأن بعض الأقدار مقدرة بزمن، ومع زيادة العبادات في رمضان سيصبرك الله، وستتعجب بعد الفرج كيف صبرت طوال هذه المدة، لكنك لم تعلم أن الله صبّرك وأيّدك وربط على قلبك بسبب دعائك وإلحاحك.
وقد تكون بعض الأقدار الشديدة التي نزلت بك لتستيقظ من الغفلة، ومع الدعاء والعبادات في رمضان قد يكتب الله لك التوبة، ثم يفرج عنك من حيث لا تعلم ولا تحتسب.
أو تكون بعض الأقدار المؤلمة من الله ليغيّر الباب الذي أنت متشبّث به، وقد كتب الله لك نصيبًا ورزقًا في بابًا آخر، ولعل ما أنت تنتظره لا يرضي الله، وفيه من الذنوب والمعاصي الكثير، والله يريدك في منزلة أعلى وأنقى لذلك تخفى عليك هذه الحكمة الإلهية العظيمة في بعض الأقدار.
أيضًا عندما تشاهد الناس حولك كل سنة في رمضان يتسابقون إلى المسجد من الرجال والنساء، ويقومون صلاة التراويح، وترى منهم علوّ الهمة والفرحة بالطاعات، وبعضهم يشعر أن الصيام كان سهلاً وميسرًا، ولا يعلم لماذا. وبعضهم حين يصلون صلاة التراويح، التي قد تكون أكثر من ساعة، يجدها أسهل على نفسه من صلاة الفرائض في المسجد في الشهور الأخرى، فيتحير العبد من نفسه ومن بذل طاقته وسعته ولا يعلم لماذا.
إن السر في هذه البركة في المساء وسهولة العبادة أن الصيام بالنهار يزيد بالأجور والثواب في يومك، ثم يُفتح لك لبقية اليوم حتى آخر المساء، ولأن أي عبادة تفعلها تجرّ عبادة أخرى دون أن تشعر.
فسبحان الله، من يقرأ ورده من القرآن جزأين أو ثلاثة أجزاء في اليوم، يقول إنه يفتحه له في هذا اليوم من البركة والطاقة ما لا يفتح له لو قرأ صفحات يسيرة من القرآن (وكل القرآن فيه بركة، وحتى اليسير منه)، وهذا والله ما يعلمه أهل الطاعة والعبادة، سرّ العبادات، فتنشرح صدورهم وتتيسرّ أمورهم دون حول منهم ولا قوة، وهذا فضل الله الكريم العظيم. لذلك إذا نويت أن يفتح الله لك في يومك في رمضان، فعاهد نفسك على بلوغ تمام الصيام مع إداء الفرائض دون تسويف ولا نوم، ليبارك لك في بقية يومك، وأبشر ما دمت ترجو الله أن يبارك يومك لتتعبده، فإن الله لا يخيّب من رجاه وتوكل عليه.
أكثر من الدعاء والإلحاح على الله أن يعينك على القيام في رمضان، فإن من أتكل على نفسه وهواه في الطاعة لن يبلغ خطوة واحدة، ولكن من توكل على الله وأحسن الظن به فإن الأجور تفي بالميعاد.
من كتاب الطريق إلى رمضان - لتحميل الكتاب مجاني اضغط هنا

نوره السبيعي
تويتر X: alsubaiee_norah