أسمعك تقول: هل سيأتي ما دعوت به؟
أقول لك: لا تجعل هذا السؤال يقود قلبك.
رمضان لا يعلّمنا كيف نطلب فقط، ولكن يعلّمنا كيف نكون مطمئنين قبل أن نكون سائلين. الدعاء في هذا الشهر ليس كلام فحسب، ولكن إعلان واضح: أنني أعلم من بيده الأمر، وأعلم إلى من أتجه، وأعلم أن مفاتيح الغيب ليست عندي. حين ترفع يديك، أنت لا تنتظر نتيجة فحسب.. أنت تدخل مقامًا مختلفًا. مقام تعترف فيه أن الله هو الرازق، فلا تخاف ضيقًا. هو الباسط، فلا تخشى انقباضًا. هو الكريم، فلا تقلق من قلة. هو الغفور، فلا تحمل ثقل ماضيك.
الدعاء يربّيك على هذا المعنى قبل أن يعطيك ما تريد. يعلمك أن تعتمد، أن تسلّم، أن تثق. ومن دعا بصدق عاش بين أمرين كريمين: إمّا أن يُستجاب له فيفرح قلبه بالعطاء، وإمّا أن يُثاب فيرتفع قدره، ويزداد قربه، ويُصاغ قلبه صياغه أنقى. وفي الحالين هو الرابح. لأن الربح الحقيقي ليس فيما يصل إلى يدك، ولكن فيما يُبنى داخل صدرك. فأنت حين تكثر من الدعاء تتعلم شيئًا أعظم من تحقق الطلب: تتعلم أن المستقبل ليس مخيفًا لأن الله فيه. وتتعلم أن الرزق ليس مرهونًا بقدرتك لأن الله هو الرزاق. وتتعلم أن الفرج ليس مستحيلًا لأن الله هو القادر. كل خوف من الغد يذوب قليلًا مع كل سجدة صادقة. وكل قلق من تأخر أمر يتراجع حين تقول: يا رب. ورمضان يكشف لك هذا السر بوضوح. فالجوع يذكّرك بضعفك، والعطش يذكّرك بحاجتك، والقيام يذكّرك بقربك، والدعاء يذكّرك بمن تعتمد عليه حقًا. وحين تكرر الدعاء، لا لأنك مستعجل، ولكن لأنك موقن.. فيتغيّر قلبك. يصبح أثبت، أهدأ، أقل اضطرابًا أمام التأخير. تبدأ ترى أن الإجابة ليست الحدث الوحيد، وإنما الطريق إليها مدرسة إيمان كاملة.
فلا تتعلق بالنتيجة، تعلّق بالله. ولا تشغلك الاستجابة، اشغل نفسك بالصدق والخشوع. ولا تجعل قلبك رهينة التوقيت، ولكن اجعله ساكنًا عند من بيده التوقيت. فالربح مضمون، لكن ليس دائمًا بالصورة التي تتخيلها. أحيانًا يُعطى لك المطلوب، وأحيانًا يُعطى لك قلب لا يعود ينهكه الانتظار. وفي الحقيقة.. الثاني أعظم. لذلك، إن طال الطريق، فزد يقينًا. وإن تأخرت الإجابة، فزد قربًا. واجعل يدك مرفوعة لا لأنك قلق، ولكن لأنك تعلم إلى من ترفعها. ورمضان يذكّرنا أن الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبًا، وأن القرب من الله أغلى من كل استجابة، وأن القلب الذي تعلّم الثقة.. ربح كل شيء، حتى قبل أن يُعطى.
———
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟