إن كنت تريد الرزق أن ينهال عليك من بين سبع سماوات، وتريد أن ينصرك على من ظلمك وخذلك عبر الأعوام، وتريد أن يبدل حالك إلى حالٍ تأمنه وترتاح، وتريد أن تصب عليك العافية بعد تلك الأمراض.
فإن عداد الأيام في نقصان، والموعد قد حان، والناس قد بدأوا بتجهيز المتاع، فمنهم من أمسك بخرائط الطريق، ومن الأذكياء من وضع لنفسه خططًا دون رفيق! ومنهم من بدأ بكتابة العهود والمواثيق..
لمن؟
لله الواحد القهار. نعم! لا تتعجب من قولي هذا، فقد بدأ الناس بتجهيز الأدعية، وبدأ بعضهم بالتركيز على التفاصيل: أيدعو لرزقٍ يرجو نيله، أم لخذلان ظالمٍ قد تجبر بين العباد، أم باب يفتح له من بين آلاف الأبواب.
لقد رأيت بعيني الاثنتين، كيف شفي أناس من مرضٍ عضال في شوال، وجدت بينهم أمرًا واحد مشتركًا: [ الإلحاح في رمضان بالدعاء، دون قنوط ولا يأس من الحال، ولا يهمهم تعداد الأيام ].
قد تقول: لقد دعوت الله سابقًا ولم أر إجابة، وليس قنوطًا من فرج الله، لكن قد أكون لست أهلاً للإجابة! (تكثر هذه الخواطر والأفكار بين الناس، لا لأنهم يشككون في قدرة الله، لا حاشهم، ولكن لأنهم يتفكرون في أنفسهم لعل بينهم وبين الله حجاب.
لكن!
الله لا يعاملك بالمثل، والله جلّ علاه منذ أول مره دعوته، لم يخذلك، ولم يردك من بابه.
تأمل هذه جيدًا:
- إذا دعوت الله ولم تر إستجابة، فاعلم أن [ أقدارك تتحرك! ] نعم، تتحرك ولا تتعجب، صرف عنك شرًا، وقرب لك أمرًا، وأبعد عنك بشرًا (فانظر إلى قدرة وجلاله، وعظيم إحسانه، لا يخيب من دعاه منذ المرة الأولى).
- وإذا دعوت الله وألححت عليه سنوات، فهنيئًا لك هذه المنزلة (والله لا أعلم ماذا بينك وبين الله حتى يكرمك بهذا الانتظار) فهي منزلة عظيمة، فليس الأجر فقط بالصبر، ولا في تكاثر الحسنات دون حساب، أنما اختارك الله واصطفاك لقربه، وأحب صوتك ومناجاتك، وكرمك بالهداية، فكثير ممن طال انتظارهم قالوا: وصلنا إلى أبوابٍ من العبادات لم نكن نبلغها قبل الحاجة والبلاء.
وأن أردت مفتاح الدعاء في رمضان وأن ترزق الهمة والانشراح في العبادات:
فأحسن الظن بأن الدعاء مجاب ثم مجاب. وإذا سمعت خواطر الشيطان تقول لك: تدعوا ولن ترى الإجابة، فقل: سأدعوا، والله هو المقدر، يرى الخير والشر، ويعلم وأنا لا أعلم، [ وقد قال من نالوا إجابة الدعوات: لم نكن نتمنى إلا بما قدرة الله ] لعلمهم أن الإنسان لا يدري أين يكون الخير، في هذه السنة أو في التي تليها.
ولمن يسأل كيف أدعو الله وأحسن الظن وألح بالسؤال (كيف اجمع هذه الخصال في الدعاء؟) :
- ادعُ الله دون أن تملي عليه التفاصيل، ولا تحدد الكيفية، ولا تختر العقوبة لمن ظلمك ولا توقيت النصر، قل: اللهم اجبر قلبي، واخذل الظالم وقر عيني بنصرك عاجلاً غير آجل. (وهذا مثال لتوضيح، لكي ابين لك، وليست صيغة ملزمة، فالله يقبل اليسير من الدعاء، ويهب ما لا يخطر على البال، هو القاهر فوق عباده).
- وادعُ الله وأنت موقن بالإجابة، وحتى لو سألت فقلت: لا أعلم متى تظهر الإجابة، بعد شهور أو بعد سنين، لكني أعلم أن الله سيختار لي الخير، لا الأقرب، (لا مانع هنا أن تدعوا الله العاجل غير الآجل، لكن المقصود من شدة إحسان ظنك بربك أن تصل إلى مرحلة لا يهمك عدد السنوات بقدر عظمة الإجابة).
وبعد أن فتحت باب الدعاء، وآمنت أن الأرزاق بيد الله، أوصيك وصية محب: لا تزهد بالدعاء، أرجوك لا تزهد. ادعُ الله حتى تقول لنفسك: من أنا لأدعو بهذا الدعاء؟ فهنيئًا لك، لأنك لم تر إمكاناتك ولا قدراتك، أنما وثقت بالله، وبإجابته، وبقدرته ونصرته وتمكينه، [ فقد حققت توحيد الطلب ] أهذا أمر هين عند الله؟ لا والله ليس بالهين.
وإذا سألت الله، فارفع سقف طموحاتك، وآمالك، فإنك تسأل ربّ السماوات السبع والأرض.
أخيرًا: أعد أدعيتك،وتجهز بقلبٍ مستبشر، مؤمن أن الأرزاق بيد الرحمن لا بيد الناس.
الحمد لله، الذي جعل لنا رمضان، شهر النصر على الظالمين، والعطاء والهبات للصالحين، والشفاء العاجل للمرضى والمهمومين، والأرزاق للصابرين والمحسنين.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah