في هذا المقال سأذكر لك مواضع الصدق مع الله، ولو صدقت مع الله فيرجى لك أن تفتح لك أبواب الرحمات، ويعجل لك بالفرج، وتيسر لك أبواب الأرزاق، ويكف همك، ويعظم شأنك.
ولا تعتقد أن الصدق مع الله خاص بخاصة المؤمنين أو بأهل العلم، بل قد يكون التائب إلى الله صادقًا مع الله، فتفتح له أبواب السماء وينزل عليه الغفران. فلا تيأس من حالك، ولا تقنط. فإن المنيب إلى ربه والراجع إليه ذو عزة وهمة، ولو تفكرت في حاله، لوجدته قد رجع إلى خالقه ومدبر أمره، فطاب باله، ونضج عقله، وتيسر حاله، وتمسك بحبال المغفرة، فوالله إنه ارتفع بالمقام. فتأمل معي هذه الحالات:
١- الصدق مع الله ينكشف في أن العبد يعرف ذنبه، ولا يدعي غير ذلك، ولا يحتال على الله. بل إنه لو سئل من صديق أو قريب، فهو لا يزين القبيح، ولسان حاله يقول: عسى الله أن يهديني.
وهذا حال من تربع الحق في قلبه، فلم يزحزحه الشيطان، ولم يزين له الباطل. فهو يذنب، وفي وسط ذنبه يعلم أن الله يراه ومطلع عليه، ويشعر بضعفه أمام هذا الحال. وإذا رأى الله منه صدق النية والتحسر على الذنب، والندم على ما فات، يسر له التوبة وفتح له أبواب الرحمة. فالمقصود هنا ليس الاستمرار على الذنب ولا التساهل بالخطيئة. بل أن تستحضر رؤية الله لك، وأن تعلم أنه يراك، وتعلم أكثر أن الذنب ثقيل في الميزان.
فلو كنت ممن لم يستبح الحرام، ولم يصغر الذنب، فأنت في حال الصادق مع الله. إذًا توسل إلى الله في مواسم العبادة، وفي الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي أدبار الصلوات، أن يغفر لك ويطهرك من كل الذنوب الثقيلة على الاكتاف، فلا يعجزه شيء، وهو القادر والقاهر فوق كل ذنب.
٢- وينكشف لك أيضًا صدقك مع الله حين الدعاء، فإذا سمعت دعاءك علمت من نفسك هل أنت صادق مع الله أم لا. فإن كنت ممن يذكرون عيوبهم وذنوبهم ويقرون بها، ولم ينكروها أو يتجبروا، فإنك قد صدقت مع الله، وأقررت بضعفك وقلة حيلتك. فلا تعتقد بهذا الدعاء وهذا الفعل أنك بعيد عن الله، فإنه قريب منك، يسمع مناجاتك ويرى انكسارك، وإذا شاء غفر لك الذنوب كلها، دقها وجلها. وتذكر أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فقد ترى أن الدعاء عمل بسيط وأثره ضئيل، لكن من لازم الدعاء علم أن أثره عظيم، وقد يعظم الله أمرك ويكبر شأنك بسبب دعائك أو يدفع عنك البلاء، فحين يرى الله صدقك، وإقرارك بذنبك، ورجاءك ما عنده من العفو والمغفرة، فيثيبك بعدها بمغفرة الذنوب، ويهديك إلى الثبات.
أنت تظن حين تصدق مع الله ستتولى أمرك بنفسك، لا، بل الله جل جلالة وتقدست أسماؤه لطيف بك رحيم عليك. كل ما عليك هو كثرة الرجوع إلى الله بالدعاء في كل أوقاتك، تذكر ذنوبك، ولا تعتقد أن الإفصاح عنها بينك وبين الله سيجعلك من العصاه أو كالمعرض عن الله، فأنت في ميزان الله: التائب، والخاضع، والراجع إليه. أتعتقد أن هذه منزلة هينة عند الله؟ لا والله، بل ارتفعت منزلتك.
٣- ليس المؤمن بالمخادع أو المنافق: وينكشف لك باب الصدق مع الله حين تتعامل مع عباده، فحين تعرف دهاليز نفسك، وتحفظ أبواب عقلك، وتعلم أنك لا يمكن أن تدخل في مداخل الشيطان مع عباد الله، ليس لأنك غير قادر، لا، إنما تخاف من الله.
فباب الخوف من الله مفتاحه الصدق معه. فإذا كنت ممن يحسنون إلى الناس، ولم يقطعوا صلة الأرحام، ولم يفسدوا بين اثنين، فإنك قد صدقت مع الله حين صدقت بالعاقبة، وعلمت أن عذاب الآخرة أشد وأنكى. وعلمت أن الذنب كبير والغاية صغيرة. فبعض الناس - والعياذ بالله - من شدة فسادهم وشرهم على الناس، كأنهم يستبعدون الآخرة، وإلا فكيف لإنسان يعلم أنه سيبعث، ثم يمكر بالناس ويغدر؟
الصدق من الله، منزلة عظيمة، واعلم أن الله جل وعلا جعل لكل عمل صالح أثرًا ومثوبة يراها العبد في الدنيا. فلا تعتقد أنك ستجاهد نفسك في مواضع عدة ثم لا يتغير حالك، لا، سيتغير حالك وستزداد حكمة ورشدًا، وكلما تخلصت من ذنب ازداد صلاحك وتغيرت طباعك، ولا تقل: الذنوب كثيرة والحال صعب! فالدعاء يغير الأقدار، ويقلب الموازين، ويقرب العباد لله.
فكل ما عليك أن تصدق مع الله في الدعاء، وتستحضر ذنوبك بين يدي الله، وتذكر حالك وكيف صار أمرك، فلا تيأس بعد ذلك من رحمة الله، فإن من استعان بالله، وتوجه إليه فلن يضيع في هذه الحياة.
نوره السبيعي
تويتر: alsubaiee_norah
انصحك بقراءة هذه المواضيع:
١- أقدار الله تثبيت لا تشتيت.
٢- الله يريك، لا ليحزنك.
٣- ماذا يقال لهم لمن طال عليهم البلاء.
٤- أقدارك لم تتعطل.
٥- الحياة لا تعاندك.
٦- بعض الناس تجاوزتهم الأقدار، أما أنت فما زلت عالقاً.
٧- معيه الله معك في الازمات.
٨- لماذا طالت الشدة وغيري في نعيم.
٩- أقدارك تتحرك.
١٠- أقدارك تتنبأ بمستقبلك.
١١- لولا الله لما تحملت الشدة يومين.
١٢- روحك قد شابت من كثرة الأقدار.
١٣- العوض الخفي
١٤- أين تفر عند شدة الأقدار
١٥- كيف تعلم أن فرَجَ الله قريب منك
١٦- كان تعطيل الشر لك، ما كان تعطيل خير
١٧- النوبات القديمة في رحلة التشافي